
د. خالد تارس
في توقيت مهم جداً وكأنه محطة ضرورية في سباق تتقاذفه الأجندات، قرر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو تعليق اجتماع الآلية الرباعية المعنية بالسودان بشكل (تكتيكي).. هذا القرار لم يكن اعتباطياً ولا نابعاً من فراغ، بل هو نتيجة طبيعية لقراءة دقيقة وفاحصة لما يجري خلف الكواليس بين أطراف الرباعية التي تتحرك بأكثر مما تنطق، وتحمل من النوايا ما لا تحملة التصريحات الدبلوماسية. روبيو الذي جاء من منطلقات سياسية دقيقة لاتجيد الاستعراض أدرك أن المشهد السوداني لم يعد ساحة لصراع داخلي، بل هو ساحة شطرنج إقليمية تُحرّك فيها البيادق من عواصم قريبة بعضها داخل الآلية الرباعية ذاتها، ومن هنا جاءت فكرة العودة خطوة إلى الوراء والتريث لحظة للمراجعة ليس للتراجع.
الملف السوداني الذي بدأ معقداً بطبيعته، كشف عن تعقيد أكبر بفعل تدخل بعض الأطراف الإقليمية التي تسعى لانحراف بوصلة الحلول، وعلى رأسها القاهرة التي لم تزل ترى السودان بعيون الماضي والتبعية الاستعمارية، وتحاول أن تعيد إنتاج الوصاية عبر أدوات متجددة، وان سلطة بورتسودان التي تبدو في ظاهرها سودانية الهوية لا تتحرك في كثير من الأحيان إلا بإشارة تأتي من الضفة الاخرى للنيل، حيث تصاغ القرارات بحسابات استراتيجية عميقة لا علاقة لها بإرادة السودانيين أو مصلحتهم الوطنية، هذا التداخل العميق عسكرياً ولوجستياً وسياسياً أفرز وضعاً مغايراً جعل من الاستقلالية السودانية مطلباً لا مجرد شعار، وأظهر أن بعض الأطراف في الرباعية لا تريد وقف الحرب بقدر ما تسعى لإعادة هندسة السودان بما يخدم مصالحها الضيقة.!
لقد فهمت الإدارة الأميركية أخيراً على لسان السيد (روبيو).. أن السودانيين لا يتقاتلون بإرادتهم، ولكن بدفع إرادات خارجية تصُب الزيت على نار الخلاف والتجزئية، وتُشعل الهشيم كلما لاحت فرص السلام، وعليه فإن أي حديث عن حل سلمي في السودان يجب أن يمر أولاً عبر بوابة كبح التدخلات (الأجنبية).. لا مجاملة أطراف تتخفى خلف الوساطة وتمسك بخيوط الازمة، أعتقد ان حجاب المجاملة سقط من عيون الادارة الأمريكية بعد ما عرف روبيو حقيقة الأمر، وان التفكير الدبلماسي بعد الآن اليوم يتجه نحو مقاربة مختلفة تتسم بالجدية وعدم المجاملة وبالحسم لا بالإرجاء، ودون اي مهادنه مع من يسعى لاختطاف القرار السوداني، وقد لايتهاون البيت الابيض مع من يستخدم أدوات الرباعية لتقويض أهدافها، حيث من الواضح ستكون هناك إعادة تموضع للدور الأميركي بشكل ثابت، تتجاوز حدود النصح إلى فضاء الفعل مباشرةً، والانتقال من التنسيق الدبلوماسي إلى المبادرة الحازمة والجادة، لن يظل الدور الأميركي كما تظن الاطراف ان يدور في فلك التحذيرات، ولكن سيمتد إلى فرض مسارات واضحة تقطع الطريق أمام أي وصاية، وتفتح الأفق أمام السودانيين كي يحددوا مصيرهم بأنفسهم بعيدًا عن الأيدي التي تعبث في (الظل).؟
ومع اقتراب موعد اجتماع الرباعية المرتقب يعلو سقف التوقعات في المشهد السوداني والعِبرة ليست في كثرة المشاركين، بل في صفاء الأهداف ونقاء النوايا، فالشعوب السودانية تحلم بالدولة المدنية الديمقراطية الحرة، وقد اختبرت الولايات المتحدة مرارة الفشل في ملفات رواندا والكونغو الديمقراطية ثم عادت الكره عبر الوسيط القطري المؤثر هناك، فهاهي اليوم تدرك جيداً أن السودان ليس ساحة للتجريب المستمر، بل اختباراً جديداً لصدقية الدور الأميركي في القارة الأفريقية، وهي اخر الفرص للوفاء بالعهود والالتزامات الأخلاقية والتاريخية للشعب السوداني المناضل، وسانحة نادرة لإثبات أن الولايات المتحدة لا تزال قادرة على انتزاع السلام من بين أنياب (الفوضى).. وان التفاؤل في هذه اللحظة يظل تفاؤلا مشروعاً لكنه محفوف بالتحذر، لان الجسد السوداني لا يحتمل مزيدًا من التجريب ولا يقبل بحلول تأتي عبر الأجندات المختلطة والمطامع الاقليمية، فإما أن تكون الرباعية أداة لحل جذري، أو تتحول إلى شاهد زور على مأساة شعب يتوق إلى الخلاص.




