رأي

بورتسودان.. سماسرة الدم يعاودون الظهور من جديد

علي سانتينو

 

علي سانتينو 

بينما يتشبث السودانيون بخيط رفيع من الأمل عند نهاية النفق، تخرج جماعة الإسلام السياسي وفلول بورتسودان من مخبئها كأنما وجدت لحظة ذهبية لتوسيع دائرة الجحيم وإغراق ما تبقى من الوطن في الدماء. ما يفعلونه ليست خطابات تطرف أو دعوات سياسية، ما يفعلونه هو مشروع موت متكامل لتعبئة الناس نحو حرب اخرى تقضي على الاخضر واليابس، حرب تقوم على التحريض الصريح على الكراهية، وتحويل الشباب السوداني إلى وقود مجاني في معارك إعادة تدوير سلطة متعفنة فقدت مكانها الطبيعي في التاريخ. هؤلاء يعلنون تعبئة جديدة وكأنهم يوزعون بطاقات جماعية نحو المقابر، انهم يضعون حلولا من الموت، وكان السلام خطراً يستوجب الإعدام!

هذه العصابات السياسية تعرف أنها لا تستطيع العيش في سلام دائم، فالسلام يفضح ضعفهم ويكشف عجزهم، ويجردهم من أدوات التحكم التي يبنون عليها وجودهم. لذلك يهرعون إلى نفخ نيران الحرب، ويدفعون الناس إلى هاوية جديدة، يرفعون شعارات جوفاء باسم الكرامة بينما هم في الحقيقة يحرسون مصالح خاصة. يحمون شبكاتهم المالية، ويؤسسون لمرحلة جديدة من الفوضى التي تضمن لهم العودة إلى نهب الدولة تحت غطاء معارك الكرامة. إنهم ليسوا سياسيين بل سماسرة دماء، لا يعيشون إلا تحت هديرها، ولا ينتعشون إلا وتتسع المقابر!

التعبئة الجارية اليوم في بورتسودان ليست دفاعاً عن وطن، بل عملية منظمة لحرق ما تبقى من البلاد. هؤلاء يريدون تحويل البلاد إلى نسخة معدّلة من الجحيم، وإلى صومال جديدة ولكن بدون أي فرصة للنجاة، بلد يعيث فيها التطرف فساداً بلا قيود، ويمتد فيها الانهيار بلا سقف، وتتحول فيها كل المدن وكل القرى إلى مسرح مفتوح للعصابات التي لا ترى في الإنسان سوى غنيمة. وكل ذلك يجري تحت رعاية كاملة من التنظيم الإخواني الذي يعيش دائماً على الخراب، ويفهم أن السيطرة لا تأتي عبر الاستقرار، بل عبر صناعة الأزمات وتعميق الانقسامات وتغذية الكراهية بين أبناء البلد الواحد!

هؤلاء لا يعبّئون المجتمعات للحرب لأنهم يؤمنون بشجاعتها، بل لأن الحرب هي الصفقة التي يجيدون إدارتها بامتياز، فهي تدر عليهم الاموال، وتمنحهم مواقع نفوذ، وتعيد تشكيل المشهد بما يخدم مصالحهم الضيقة. وكل قطرة دم تُسال اليوم تُحوَّل في دفاترهم إلى مكسب سياسي أو بيعة جديدة أو دعم خارجي. هم تجار أزمات متميزون، يسعون لتطويل عمر الحروب لأنها السوق الأكثر ربحاً بالنسبة لهم، هي السوق التي تتيح لهم بيع الخراب وشراء الولاءات والذمم، وتشغيل ماكينة النهب بلا مساءلة!

والأسوأ من ذلك أنهم يقدّمون أنفسهم كحماة للوطن، بينما الوطن يختنق تحت أقدامهم. يرفعون راية الدين زيفاً، وهم أبعد الناس عن أخلاقه، ويتحدثون عن وحدة البلاد وهم أول من مزقها. يتشدقون بالسيادة وهم من فتحوا أبوابها للخارج. وكل خطاب يصدر عن هؤلاء القوم هو محاولة بائسة للتغطية على جرائمهم ضد الشعوب، وكل دعوة للتعبئة هي إعلان جديد لبيع ما تبقى من السودان حتى تبقى مواقعهم آمنة خلف الأسوار والامتيازات!

ما يفعله هؤلاء الابالسه حتى قبل خطيئة فصل الجنوب ليس خطأ سياسي، بل جريمة تاريخية كاملة. فالسودان اليوم لا يحتمل حرباً عنصرية، ولا يستطيع أن يدفع ثمن نزوة جديدة من نزوات هذا التنظيم المتعطش للفوضى. هؤلاء يريدون أن يموت الناس حتى يبقوا هم أحياء، ويريدون أن تُدفَن البلاد حتى يعودوا فوق ركامها. ولكن على اهل السودان أن يدركوا أن دعوات التعبئة ما هي الا فخّ قاتل، وأن من يقودهم اليوم نحو الهلاك هو ذاته الذي سرق أحلامهم بالأمس، وهو الذي يسعى لتصفية ما تبقى من الوطن باسم شعارات مخادعة!

إن مواجهة هذا المشروع الدموي تبدأ بفضح أهدافه، ورفض تحويل الشعب إلى عبيد في سوق الحرب، وقطع الطريق على كل من يسوّق الحرب كقدر محتوم. الحقيقة ان السودان يستحق الحياة، لكن هؤلاء لا ينتجون إلا الموت. والحقيقة البسيطة التي يجب الاعتراف بها أن من يدعون إلى الحرب يقصدون انهاء البلاد لا انقاذها، ومن يحرّضون على القتال لا يريد حرية لشعوبها، بقدر ما يريدون استعبادها من جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!