
منذ اندلاع المعارك في مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، تتوالى المشاهد المؤلمة لمعاناة المدنيين العالقين في قلب الصراع، وسط حصار خانق وتهديد دائم لحياتهم. إلا أن ما يثير الغضب الإنساني والضمير العالمي هو تواتر الأدلة والشهادات التي تثبت تعمد القوات المشتركة التابعة للجيش السوداني والمليشيات المتحالفة معه منع المدنيين من مغادرة مناطق الاشتباكات، لاستخدامهم كدروع بشرية—a ممارسة ترقى إلى جريمة حرب مكتملة الأركان بحسب القانون الدولي الإنساني.
مناشدات لم تتوقف… وتحركات إنسانية سابقة للمعركة
على النقيض، ظلت قوات الدعم السريع وقوات تحالف “تأسيس” على مدى شهور، ومنذ ما قبل اشتداد المعارك في الفاشر، تطلق نداءات متكررة للمواطنين بمغادرة مناطق الخطر والاحتماء في مواقع آمنة خاضعة لسيطرتها. وشملت هذه المناشدات بيانات رسمية من قائد قوات الدعم السريع الفريق أول محمد حمدان دقلو “حميدتي”، ونائبه الفريق عبد الرحيم دقلو، بالإضافة إلى قيادات من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا مثل الهادي إدريس والطاهر حجر، الذين ظلوا يؤكدون على ضرورة حماية المدنيين وفتح الممرات الآمنة لهم.
هذه النداءات لم تكن حبراً على ورق، بل تُرجمت إلى خطوات عملية تمثلت في تأمين خروج آلاف المدنيين من الفاشر إلى معسكرات ومواقع محمية، حيث وفرت لهم قوات الدعم السريع الحماية والمأوى والعلاج والغذاء، بشهادة منظمات إنسانية دولية تعمل على الأرض.
شهادات حية وموثقة: من استطاع ومن لم يستطع الخروج
انتشرت عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو مؤلمة توثق معاناة من نجحوا في الهروب، وكذلك معاناة من لم يُسمح لهم بالمغادرة. وأظهرت بعض هذه المقاطع استهداف المدنيين أثناء محاولتهم العبور إلى مناطق آمنة، فيما تؤكد شهادات من داخل الفاشر وجود قيود مشددة فرضتها القوات المشتركة على حركة السكان، خصوصًا في المناطق التي تشهد احتدامًا في المعارك.
ما يفاقم من هذه المأساة هو وجود أسر غير سودانية من دول عربية داخل المدينة، والذين يعيشون أوضاعًا إنسانية كارثية في ظل استحالة مغادرتهم للمدينة وتهديدهم بالقتل
جريمة حرب وفق القانون الدولي
استخدام المدنيين كدروع بشرية يعد انتهاكًا صارخًا لاتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية التابعة لها، ويصنف ضمن الجرائم التي لا تسقط بالتقادم ويمكن ملاحقة مرتكبيها أمام المحاكم الدولية. إن ما يحدث في الفاشر ليس فقط مأساة إنسانية، بل وصمة عار في جبين المجتمع الدولي ما لم يتحرك فورًا لإدانة هذه الممارسات والضغط بكل الوسائل الممكنة من أجل وقفها.
دعوة إلى المجتمع الدولي: أدينوا الجريمة… لا تصمتوا
إننا نطالب الأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي، والاتحاد الإفريقي، ومنظمات حقوق الإنسان، بالخروج عن صمتهم المعيب وإدانة صريحة لاستخدام المدنيين كدروع بشرية في الفاشر. كما نطالب بإرسال بعثات تحقيق دولية لتوثيق هذه الجرائم ومحاسبة المسؤولين عنها.
كلمة حق: إشادة بالقوات التي انحازت للإنسان
وفي المقابل، نثمّن عالياً الجهود التي تبذلها قوات الدعم السريع وقوات تحالف “تأسيس” في تأمين ممرات إنسانية وإجلاء المدنيين، في وقت يتخلى فيه الآخرون عن أبسط مبادئ الإنسانية. هذه الخطوات يجب أن تحظى بالدعم والإشادة، وأن تُعتمد كنموذج لكيفية التعامل المسؤول مع المدنيين في أوقات الحرب.
إن الدم السوداني ليس ورقة تفاوض، ولا يمكن لأي طرف أن يحقق مكاسب سياسية على حساب أرواح الأبرياء. ما يحدث في الفاشر يجب أن يوقظ ضمير العالم، وأن يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته. ولا بد من محاسبة من يحولون المواطنين إلى وقود لحرب عبثية لا تخدم إلا أجندات السلطة والاستبداد.
باحث متخصص في الشؤون السودانية




