رأي

فزورة حصار الفاشر: حكاية تنفيها رواية خديجة أحمد بابكر

د.فاطمة الزين الغالي

د.فاطمة الزين الغالي

بحكم علاقتي الطويلة بدارفور عامة، وبمدينة الفاشر على وجه الخصوص، ظلت أوضاع هذه المدينة العريقة ومواطنيها محل اهتمام دائم ومتابعة لصيقة. لم يكن الأمر عابراً بالنسبة لي، إذ أن سنوات دراستي الثانوية هناك ربطتني بعلاقات إنسانية وزمالات متينة مع عدد من نساء المدينة، سواء اللائي ما زلن يقمن فيها أو من غادرنها إلى مدن أخرى داخل السودان وخارجه، وبعضهن استقر بهن المقام في مهاجر العالم البعيد.
من هذه الزاوية، سبق وأن رويت تجربة إحدى زميلاتي في مغادرة الفاشر إلى منطقة أخرى، وتجربتها مع قوات الدعم السريع التي وفّرت لها ولأسرتها المأوى والدعم، في صورة تتناقض تماماً مع ما تروج له الرواية الرسمية التي تتحدث عن “حصار خانق” تفرضه قوات الدعم السريع على المدينة. واليوم أجد نفسي مضطرة للعودة مجددًا لسرد حكاية أخرى، ربما أكثر تفصيلاً، لأنها تكشف عمق الزيف الذي يعتري هذه الرواية، وتقدِّم شهادة حية من امرأة كانت داخل المدينة وخرجت منها بالفعل.

بطلتنا هذه المرة هي الزميلة خديجة أحمد بابكر، أو كما كنا نناديها دائماً “خدوج”. خديجة أم لثلاث بنات وولد، عاشت مع أسرتها في الفاشر ظروفاً قاسية، وقد ظلت تظن -كما كنا نظن نحن خارج المدينة- أن حصاراً مطبقاً يعيق حركة الناس ويمنعهم من الخروج. غير أن خديجة، وبعد خروجها من الفاشر ووصولها إلى مدينة مليط، اتصلت بي في مكالمة مطولة، وبدت مصممة على دحض كل ما قيل عن “حصار الدعم السريع” و”استهداف المدنيين”، مؤكدة أن الحقيقة مختلفة تماماً.

قالت خديجة بوضوح: “ان ما يحدث في الفاشر ليس حصارًا كما يُروّج له، با ان الجيش والحركات العرقية المسلحة اختاروا الاحتفاظ بالمدنيين رهائن ودروعاً بشرية”. وأضافت أن تلك القوات تستخدم التخويف والترهيب كسلاح رئيسي، من خلال نشر الشائعات بأن الدعم السريع يحيط بالمدينة وينتظر الفرصة لبطش المدنيين الخارجين منها. بل وصل الأمر، حسب روايتها، إلى تهديد علني لمن يفكر في المغادرة، مما اضطر كثيرين إلى التسلل ليلاً، بعيداً عن أعين هؤلاء.

كما وروت خديجة كيف أنها وأسرتها اختاروا طريق الخروج، رغم الصعوبات، لأنهم شعروا بأن البقاء في المدينة صار مرادفاً للاحتجاز القسري، وأن التهديد الحقيقي يأتي من أولئك الذين يدّعون حماية المدينة بينما يمنعون سكانها من مغادرتها. ولفتت إلى أن قوات الدعم السريع لم تكن تستهدف المدنيين، بل كانت تتعامل باحترام مع العائلات الخارجة، وكانت عمليات التفتيش مقتصرة على من يُشتبه بانتمائه لحركات مسلحة أو نشاطه القتالي.

ولعل من أهم ما جاء في رواية خديجة، هو تأكيدها أن الخروج من الفاشر ممكن ومتاح، وأن الطريق لم يكن مقفولاً كما يزعم الإعلام المضاد. وأشارت إلى أن هناك بالفعل عائلات اختارت البقاء، إما بسبب تمسّكها بممتلكاتها، أو لصعوبة الانتقال مع كبار السن، أو لأسباب أخرى متعلقة بالمواقف السياسية، حيث أبدى البعض تعاطفاً صريحاً مع الحركات المسلحة أو فلول النظام البائد.

واختتمت خديجة حديثها بنداء واضح وصريح: “على كل من بقي في الفاشر أن يغادر فوراً ما دام ذلك ممكناً، لأنه بمجرد أن يخرج سيكتشف من كان يعيق خروجه، ومن الذي يستخدمه درعاً بشرياً دون وازع من ضمير”.

إن هذه الشهادة من امرأة سودانية عادية، خرجت للتو من قلب الفاشر، تحمل دلالات عميقة ينبغي أن تُقرأ بعناية. فالرواية الرسمية عن الحصار، كما تُبث من إعلام الفلول وشركائهم من الحركات المسلحة، تنهار أمام الوقائع التي يسردها المدنيون بأنفسهم. إن ما قالته خديجة لا يمكن تجاهله أو التقليل من شأنه، لأنه يعكس معاناة يومية عاشها أهل المدينة، ويعرّي خطاباً دعائياً طالما استخدم معاناة المدنيين كذريعة لبقاء المليشيات داخل المدن.

ولأن صوت خديجة هو صوت الحقيقة، نوجه من خلاله نداءً إلى كل من لا يزال عالقاً في الفاشر: بأن الخروج ليس مستحيلاً، والمغادرة ليست مغامرة. بل البقاء في المدينة هو المغامرة الكبرى، لأنك تُحتجز هناك من قبل من يدّعون الدفاع عنك بينما يمنعونك من اتخاذ قرارك الحر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!