
منال علي محمود
manal002002@gmail.com
ليس السؤال هنا عن إمكانية السلام، بل عن طبيعته إذا جاء من حيث لا يتوقعه أحد. ماذا لو لم تتوقف الحرب في السودان نتيجة انتصار طرف على آخر، بل نتيجة قرار جماعي من المقاتلين في الهامش بوضع السلاح؟ هذا السيناريو، رغم بساطته الظاهرية، يحمل في داخله تحولًا جذريًا في منطق الصراع نفسه، لأنه لا ينهي الحرب فقط، بل يسحب الشرعية من القاعدة التي قامت عليها.
السلاح لم يكن مجرد أداة قتال. كان لغة اعتراف قسرية: لا يُرى الإنسان إلا إذا حمل ما يهدد وجوده.
لقد كان السلاح، لعقود، هو اللغة الوحيدة التي يُعترف بها في الفضاء السياسي السوداني. من يحمله يجد لنفسه موقعًا على طاولة التفاوض، ومن لا يحمله يُستبعد من المعادلة بالكامل. لذلك فإن التخلي عنه لا يعني فقط وقف القتال، بل انهيار هذه القاعدة وفتح فراغ سياسي عميق.
لكن السؤال الذي يسبق كل هذا: لماذا يضع الهامش سلاحه أصلًا؟
ليس بدافع المثالية، ولا استجابة لخطاب أخلاقي. بل لأن السلاح نفسه، بعد كل هذه السنوات، لم يعد يحقق الغاية التي رُفع من أجلها. ما بدأ كوسيلة لفرض الاعتراف تحول مع الوقت إلى قيد، حصر من يحمله في دور واحد: المقاتل، بدل أن يفتح له أفق الفعل السياسي الكامل. في هذه المعادلة، لم يكن السلاح يفتح باب الاعتراف… بل يثبت أن الاعتراف نفسه مشروط بالقدرة على الموت.
لأن من رضوا بالفتات باسم الهامش، وظلوا لسنوات يتحدثون باسمه ويمثلونه، لم يضيفوا إلى واقعه أي تغيير جوهري يُذكر، سوى إدراج أسمائهم ضمن قوائم “أثرياء الهامش”، بينما ظل الهامش نفسه في موقعه القديم، بلا تعديل في شروط حياته أو نصيبه من السلطة والثروة.
وهنا يتحول السؤال من تنظير إلى مساءلة مباشرة:
كم تبلغ تكلفة “منحة منصب” يُفترض أنه حق أصيل، يتم التعامل معه كامتياز يُوزع داخل نظام مختل، بدل أن يكون جزءًا من بنية عدالة طبيعية؟
وما الذي دُفع فعليًا في المقابل؟
كم عدد الأرواح التي فُقدت خلال هذا المسار الممتد من الصراع؟
وليس كأرقام مجردة، بل كتحول عميق في بنية المجتمع نفسه، حيث لم يعد النسيج الاجتماعي متماسكًا، بل أصبح مجزأً، مثقلاً بالانقسام والذاكرة المثقلة بالعنف.
وكم من الأطفال اليوم لا يُقاس مستقبلهم بما يدرسون، بل بما حُرموا منه أصلًا؟
تلاميذ جُمّد تعليمهم لأنهم وُلدوا في جغرافيا تُعامل كمنطقة اشتباك دائمة، لا كفضاء حياة طبيعي.
هذه ليست آثارًا جانبية للصراع، بل هي جزء من كلفته الحقيقية.
ثم هناك السؤال: ماذا فعل السلاح فعليًا للهامش؟
الدمار ما زال يحدث في نفس الجغرافيا. القصف لا يسقط في المركز بل في الأطراف. والنزوح لا يفرغ المدن الكبرى، بل يفرغ مناطق بأكملها من أهلها. وحتى الخسائر البشرية، في معظمها، تقع في الهامش نفسه.
فهل غيّر السلاح هذه المعادلة؟ هل حمى المدنيين؟ هل أوقف النزيف؟ أم أنه أبقى نفس الجغرافيا تدفع الثمن مرة باسم التهميش ومرة باسم مقاومته؟ المفارقة أن السلاح لم يُغيّر موقع الهامش داخل الدولة… بل ثبّت فكرة أن وجوده لا يُقاس إلا بقدر ما يتحمّل من خسائر.
بعد كل هذه السنوات من حمل السلاح، هل نال الهامش حظه من الدولة؟
هل أُعيد توزيع السلطة بشكل عادل؟ هل وصلت البنية التحتية والخدمات والفرص إلى حيث لم تكن تصل؟ الإجابة، مهما كانت طريقة قراءتها، تشير إلى أن جوهر المعادلة لم يتغير، بل تغيرت فقط أشكال الصراع.
وهنا يظهر التبرير التقليدي لأي دعوة لترك السلاح: “وماذا بعد؟”
يُقال إن وضع السلاح سيقود إلى الفوضى. لكن هذه الحجة تخفي افتراضًا أعمق: أن الهامش عاجز عن إدارة الدولة. وهذا ليس توصيفًا محايدًا، بل نتيجة لتاريخ طويل من الإقصاء البنيوي، لا دليل على نقص القدرة.
فالدولة، كما تشكلت، لم تفتح الفرص بشكل متكافئ، بل أعادت إنتاج مركز مهيمن وأطراف مهمشة. ومع ذلك، خرج من الهامش إداريون وخبراء وقادة أثبتوا قدرتهم داخل السودان وخارجه، لكنهم ظلوا خارج الصورة الرسمية لأن معيار القبول لم يكن الكفاءة، بل الحفاظ على توازن مختل.
إذن المشكلة ليست في غياب القدرة، بل في غياب الاعتراف بها.
لكن هناك زاوية أخرى أكثر عمقًا: الموارد.
كيف يرضى مالك الموارد أن يعيش على فتات يُعاد توزيعه عليه من أصل حقه؟
الثروات ليست في المركز. الأرض المنتجة، الثروة الحيوانية، الذهب، الصمغ العربي، وحتى المواقع الاستراتيجية، كلها خارج المركز. ومع ذلك، القرار الذي يحدد مصير هذه الموارد يظل هناك.
الهامش لم يكن خارج الاقتصاد، بل داخل معادلة لا يملك شروطها. يُنتج لكنه لا يقرر، ويُعامل كمستفيد من نظام هو في الأصل جزء أساسي من إنتاجه.
وفي هذه الحالة، يصبح السؤال ليس لماذا يضع السلاح، بل كيف استمر في استخدامه كأداة وحيدة داخل معادلة لم تغيّر جوهرها.
لهذا فإن وضع السلاح لا يمكن أن يُفهم كتنازل، بل كمراجعة لفكرة لم تحقق نتائجها. لأن الاستمرار في نفس المسار لم يُنتج عدالة، ولم يُحدث إعادة توزيع حقيقية للسلطة أو الثروة.
لكن وضع السلاح لا يعني الفراغ، بل يعني ضرورة الانتقال من قوة تُفرض بالبندقية إلى قوة تُبنى بالمؤسسات. غير أن هذا التحول لن يكون ناعمًا، لأن أي فراغ في السلطة إذا لم يُملأ بسرعة وبوعي، سيتم ملؤه من أطراف أخرى.
لذلك فإن التحدي الحقيقي ليس في التخلي عن السلاح فقط، بل في ما يُبنى بعده.
وحدها الوحدة على السلام هي ما يحتاجه الهامش ليُعيد توظيف موارده واستعادة موقعه الطبيعي داخل الدولة. لا السلاح المتشظي الذي يستنزف الجغرافيا ويُطيل أمد الصراع، ولا التمثيل الرمزي الذي يُستخدم كواجهة دون أن يغيّر شيئًا في جوهر السلطة.
الوحدة شرط عملي لإعادة تعريف القوة نفسها: قوة تُبنى على إدارة الموارد، وعلى التفاوض السياسي، وعلى تحويل الثقل السكاني والجغرافي إلى تأثير مؤسسي حقيقي، لا إلى حضور مؤقت داخل أزمات متكررة.
بدون هذه الوحدة، سيظل الهامش يتحرك داخل دوائر متفرقة: حاضر في الحرب وغائب في القرار. قادر على المقاومة، لكنه غير قادر على التحول إلى مشروع دولة.
وفي النهاية، لا يتعلق الأمر بانتصار طرف على آخر، ولا بإعادة توزيع شكلية للمواقع داخل نفس البنية القديمة.
المسألة أعمق من ذلك: إما أن يتحول الهامش من حالة صراع إلى مشروع سياسي موحّد قادر على إدارة موارده والتفاوض على موقعه داخل الدولة، أو يظل يدور داخل دائرة مفتوحة من الحرب، حيث تتبدل الأدوات لكن تبقى النتيجة واحدة.
فالاختبار الحقيقي ليس في القدرة على حمل السلاح، بل في القدرة على بناء بديل عنه.
وعند هذه النقطة تحديدًا، لا تعود الأسئلة عن الحرب والسلام أسئلة نظرية… بل تصبح سؤالًا واحدًا مباشرًا: أي شكل من الدولة يمكن أن يولد من هذا التحول.




