
نجم الدين دريسة
عرفت الشعوب السودانية على امتداد تاريخها الحديث سلسلة من الحروب المتكررة، كان قاسمها المشترك هو مآلاتها الكارثية على الأقاليم والمجتمعات المهمشة، دون أن تُحدث أدنى تغيير في طبيعة السلطة المركزية أو سلوكها. فكل حرب، مهما عظمت خسائرها، كانت تنتهي باستمرار الآلة العسكرية الباطشة في مواقعها، لتواصل سحق الهوامش دون اكتراث، وكأن الأرواح المزهقة لا قيمة لها، طالما أن بنية النظام النخبوي القائم في المركز لم يُمس، وأن امتيازات الطبقة المسيطرة لا تزال محمية بأسنان البنادق.
لكن هذه الحرب الأخيرة، ورغم قسوتها التي لا تخطئها عين، تتجه شيئاً فشيئاً نحو كسر أحد أعتى أدوات الاستبداد في القارة الإفريقية: المليشيا التي صادرت الدولة والحقوق، وأمعنت في امتهان الكرامة، وجعلت من السلطة مغنماً لأقليات قليلة على حساب أغلبية مسحوقة. هذه المليشيا التي وُلدت من رحم الدولة العميقة، واحتكرت الثروة والقرار، وأعادت هندسة المجال السياسي والاقتصادي لصالح شبكات النفوذ التي عززت ثقافة الإقصاء والتفاوت، تجد نفسها اليوم مكشوفة أمام شعوب أدركت أخيراً أن المعركة لم تكن يوماً حول السلطة فحسب، بل حول استعادة إنسانيتها المنهوبة.
إن هذا الوجه القبيح للدولة السودانية ما بعد الاستعمار، لم يكن نتاج نظام واحد، بل محصلة تراكمية لسلسلة من الأنظمة الفاقدة للشرعية، التي تعاقبت على الحكم دون أن تغيّر شيئاً من طبيعة التهميش والتمييز، بل عمّقتهما. تلك الأنظمة لم تكتف بالفشل في تحقيق العدالة، بل جعلت من السلطة أداة قمع ضد قطاعات واسعة من المواطنين، الذين ظلوا يقفون على هامش الحياة، مجردين من أبسط الحقوق، محرومين من العدالة، واقعين تحت سطوة الاستخدام المفرط للقوة، في ظل غياب تام لاحترام المواثيق والمعاهدات الدولية، وتفشي الفساد والاستبداد.
أما هذه الحرب، ورغم دمارها الذي طال القرى والمدن، فقد نجحت في تبديد أوهام استمرار السلطوية، وكشفت زيف دعاوى الاستعلاء الأخلاقي التي طالما رفعتها نخب المركز. اليوم، نرى هذه النخب التي قادت البلاد إلى أتون الحريق، تحاول تغطية هزائمها العسكرية والسياسية، بتوظيف الإعلام والدعاية السوداء، وبتضليل الرأي العام الدولي، كما يحدث الآن في ما يُروج له من “حصار الفاشر”. إنهم يصورون أنفسهم ضحايا، بينما هم من أشعلوا الحرب، ويريدون إلصاق جرائمهم بالشعوب التي طالما نكّلو بها، تماماً كما فعلوا في السابق.
لقد ظل هؤلاء يستخدمون سياسة “فرّق تسد” بإتقان، يغذّون الصراعات العرقية، ويستغلون هشاشة المجتمعات المهمشة لإشعال الفتن، كي يواصلوا السيطرة عبر الفوضى. لم يكن مشروعهم يوماً وطنياً، بل قائماً على إعادة إنتاج الامتيازات القديمة، واستدامة التمييز الطبقي والجهوي، تحت لافتات كاذبة عن الوحدة والسيادة.
لكن المعادلة تغيّرت. شعوب الهامش اليوم ليست كما كانت بالأمس. لقد أدركت أدوات الاستبداد ووسائل التضليل، وتعرفت على من عاداها باسم الوطن، بينما سلبها أرضها وكرامتها ومستقبلها. واليوم، تصطف هذه الشعوب لا على أساس أيديولوجي، بل على قاعدة الوعي الجمعي الذي بدأ يتشكل خارج معادلات الصفوة النخبوية، وداخل سياق تاريخي جديد عنوانه: لا عودة لدولة المركز الامتيازي.
لقد كشفت الحرب بجلاء عن بشاعة الدولة التي ورثناها من بعد الاستعمار: دولة فاشلة، سلطوية، تمييزية، ظلت تُدار بوعي نخبة لا ترى في السودان سوى حقول غنائم. ولكن في مقابل هذا الانكشاف، تتولد اليوم فرصة تاريخية لبناء دولة جديدة، لا تُقصي أحداً، ولا توزع الحقوق بناءً على العرق أو الجهة أو الولاء السياسي، بل تستند إلى العدالة والمساواة والتعدد الحقيقي لا الزائف.
إن شعوب الهامش، التي ظلت لعقود ضحيةً لدولة النخبة، بدأت اليوم تتسلّح بوعي جديد، سيقودها حتماً إلى بناء وطن مختلف: وطن يحقق المجد لكل أبنائه، ويقطع مع ماضي الدماء والتمييز والاحتكار. إنها لحظة الحقيقة، التي لا بد أن تُثمر.




