قراءة في التحركات واللقاء السعودي الاماراتي…

مجاهد بشري
يصعب التعامل مع التحركات السياسية التي شهدتها المنطقة خلال الأيام الأخيرة باعتبارها أحداثاً منفصلة تماماً، لكن من المبكر في الوقت نفسه وضعها جميعاً داخل مخطط واحد أو افتراض وجود تنسيق مسبق بينها، لكن المؤكد أن ثلاثة تطورات وقعت في توقيت شديد الحساسية: زيارة بنيامين نتنياهو إلى أبوظبي ولقاؤه محمد بن زايد، ثم انتقال نائب رئيس دولة الإمارات منصور بن زايد إلى الرياض حيث التقى أولاً وزير الدفاع خالد بن سلمان ثم ولي العهد محمد بن سلمان، وفي اليوم نفسه تلقى ولي العهد السعودي اتصالاً من عبد الفتاح البرهان تناول تطورات السودان، ما يجعل هذه التحركات جديرة بالقراءة مجتمعة ليس وجود دليل علني على أنها حلقات في خطة واحدة، وإنما وقوعها داخل بيئة إقليمية تشهد ضغوطاً متزامنة من إيران واليمن والبحر الأحمر والسودان وأمن الطاقة.
المشهد بهذا المعنى لا يبدو كولادة «محور جديد» مكتمل المعالم، بقدر ما يعكس محاولة عدة عواصم إعادة ترتيب علاقاتها القديمة تحت ضغط مخاطر جديدة، فالنظام الإقليمي الحالي لم يعد مقسوماً ببساطة إلى معسكرين ثابتين؛ الدول نفسها قد تتعاون في ملف وتتنافس في آخر، وقد تحتاج إلى خصمها في أزمة بينما تختلف معه في أزمة أخرى، السعودية والإمارات المثال الأوضح .. فالبلدين وصلا في مطلع 2026 إلى واحدة من أشد مراحل الخلاف بينهما بسبب اليمن، بعدما زعمت الرياض أن تقدم قوى انفصالية مدعومة من الإمارات باتجاه مناطق قريبة من حدودها يشكل تهديداً لأمنها القومي، وطلبت خروج القوات الإماراتية، بينما امتثلت أبوظبي لذلك، وبعد أشهر فقط، تستقبل الرياض أحد أثقل مسؤولي القيادة الإماراتية لمناقشة العلاقات والتطورات الإقليمية، هذا ليس دليلاً على انتهاء الخلاف، لكنه مؤشر واضح إلى أن الطرفين لديهما أسباب متزايدة لإدارته بدلاً من السماح له بالتحول إلى قطيعة استراتيجية.
زيارة نتنياهو إلى الإمارات تحمل أكثر من مستوى واحد من الدلالة، البيان الإماراتي ركز على العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية، بينما رافق نتنياهو مسؤولون أمنيون كبار، بينهم رئيس الموساد ومستشار الأمن القومي، وهو ما يعطي البعد الأمني للزيارة وزناً واضحاً من دون أن يكفي وحده لإثبات اتفاق دفاعي أو ترتيبات عسكرية جديدة، العلاقات الإماراتية الإسرائيلية نفسها لم تبدأ بهذه الزيارة فهي قائمة منذ اتفاقات أبراهام عام 2020 وتراكمت فيها المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية، الجديد هو أن التواصل المباشر بين القيادتين استمر رغم الأزمات التي مرت بها المنطقة، وفي لحظة تتصاعد فيها المواجهة مع إيران وتهديدات الملاحة والطاقة.
الأكثر دلالة بالنسبة للبنية الإقليمية هو أن أبوظبي، بعد أقل من يومين، كانت تتحرك أيضاً باتجاه الرياض، وهذا يكشف طبيعة السياسة الإماراتية الحالية بصورة ربما أدق من الحديث عن انتقالها إلى «محور» محدد: المحافظة على العلاقات الأمنية مع إسرائيل، مع إعادة فتح المجال أمام تنسيق أعلى مع السعودية، والإبقاء في الوقت نفسه على مصالح وقنوات أخرى في الإقليم، لكن الإمارات أصبحت بحكم شبكة علاقاتها قادرة على التحرك بين دوائر سياسية وأمنية لا تتطابق مواقفها دائماً.
أما السعودية، فالدافع المباشر الذي يفسر جانباً كبيراً من تحركاتها الحالية هو أن البيئة الأمنية المحيطة بها أصبحت أكثر خطورة الهجمات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة تصاعدت، وتعرضت منشآت وبنية نفطية سعودية لهجمات، فيما أصبح البحر الأحمر وباب المندب جزءاً من صراع أوسع يمتد من إيران إلى اليمن، وفي هذا السياق، لم تعتمد الرياض على مسار واحد؛ فقد بحثت أيضاً مع تركيا وباكستان توسيع التعاون العسكري والاستخباري، في مؤشر إلى توجه سعودي لبناء شبكة أمنية أوسع بدلاً من الاتكال على شريك واحد.
من هذه الزاوية، فإن زيارة منصور بن زايد تكتسب أهمية خاصة، الدعوة صدرت بدايةً عن وزير الدفاع خالد بن سلمان، لكن الزيارة لم تبق في المستوى الدفاعي، بل انتهت بلقاء مباشر مع محمد بن سلمان، حيث قالت المصادر الرسمية إن الطرفين بحثا العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية، وهذا يقلل من دقة وصف الزيارة بأنها «عسكرة للدبلوماسية»؛ فالأقرب أنها عملية إعادة فتح للقناة السياسية العليا بين الرياض وأبوظبي، مدفوعة إلى حد كبير باعتبارات أمنية.
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت السعودية والإمارات قد «تصالحتا» نهائياً، خلافاتهما أعمق من أن يحسمها اجتماع واحد؛ ففي اليمن توجد رؤيتان مختلفتان لبنية الدولة والقوى المحلية، كما شهدت علاقتهما في السنوات الماضية تنافساً اقتصادياً وسياسياً يتجاوز اليمن، لكن ما قد يكون تغير الآن هو حساب تكلفة الخلاف، فالسعودية تحت ضغط الحوثيين، وأمن البحر الأحمر والطاقة جزءاً من صراع إقليمي أكبر، تصبح إدارة الخلاف مع الإمارات أكثر إلحاحاً، حتى من دون تسويته نهائياً، وهذا ما يجعل زيارة منصور ذات أهمية أكبر من قيمتها البروتوكولية.
والبحر الأحمر هو الحلقة التي تربط عدداً كبيراً من هذه الملفات، لكنه يجب ألا يُستخدم كمجرد عبارة جيوسياسية واسعة، للسعودية ساحل طويل عليه ومنشآت تصدير نفط استراتيجية في ينبع، وقد ازدادت أهميتها بعدما أدت الحرب الإقليمية وتعطلات مضيق هرمز إلى رفع قيمة طريق الشرق الغرب وموانئ البحر الأحمر، وفي سبتمبر أُعيد تشغيل خط الأنابيب السعودي إلى ينبع بعد هجوم بطائرة مسيرة، وعادت عمليات تحميل النفط؛ ما يوضح أن أمن البحر الأحمر لم يعد ملفاً عسكرياً مجرداً، بل جزء من أمن الطاقة السعودي والعالمي.
على الضفة الأخرى توجد السودان وإريتريا والقرن الأفريقي واليمن، وهي منطقة تتشابك فيها الآن الحرب السودانية، والتوترات الإثيوبية الإريترية، والصراع في اليمن، والمنافسة على الموانئ وخطوط التجارة، رويترز أشارت هذا الشهر إلى أن اتساع النزاعات في القرن الأفريقي يجري بالتوازي مع انتقال تداعيات أزمات الشرق الأوسط إلى الضفة الأفريقية للبحر الأحمر، لذلك فإن أمن السودان، خصوصاً ساحله الشرقي وبورتسودان، ليس منفصلاً تماماً عن حسابات الرياض، لكنه أيضاً ليس الملف الوحيد الذي يفسر تحركات السعودية الحالية.
هنا يصبح اتصال قائد الانقلاب البرهان بمحمد بن سلمان مهماً، لكن أهميته تحتاج إلى قراءة منضبطة، وكالة الأنباء السعودية قالت إن ولي العهد تلقى اتصالاً من البرهان، وإن الحديث تناول العلاقات الثنائية والتطورات في السودان والجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار، بينما أكد محمد بن سلمان دعم المملكة لاستقرار السودان وسيادته ووحدته وسلامة أراضيه، البيان لا يقول إن البرهان طلب وساطة سعودية ضد الإمارات، ولا يذكر الدعم السريع أو تدفق السلاح أو الرباعية، ولذلك لا يمكن تقديم هذه العناصر كوقائع عن مضمون الاتصال.
لكن التوقيت يسمح بقراءة سياسية أكثر تحفظاً: من مصلحة قيادة الجيش السوداني ألا تبقى خارج أي إعادة تنسيق محتملة بين الرياض وأبوظبي، السعودية والإمارات ليستا دولتين خارجيتين هامشيتين في الملف السوداني؛ فهما، إلى جانب الولايات المتحدة ومصر، أعضاء في «الرباعية» التي طرحت في سبتمبر 2025 خارطة طريق تتضمن هدنة إنسانية ثم وقفاً دائماً لإطلاق النار وانتقالاً إلى حكم مدني، وبالتالي فإن أي تغير جوهري في مستوى التنسيق السعودي الإماراتي يمكن، من حيث المبدأ أن يغير البيئة الدبلوماسية المحيطة بالحرب السودانية حتى لو لم يكن السودان سبب التقارب بين البلدين، وهو ما يخشاه عبد الفتا البرهان حاكم الأمر الواقع في بورتسودان وشركاؤه الإرهابيين.
وهذا يفسر سبب أهمية المبادرة بالاتصال، و لا يمكن معرفة الدافع الشخصي للبرهان من البيان المنشور، لكن منطق المصالح يسمح بافتراض أن سلطة الأمر الواقع غير الشرعية في بورتسودان تتابع بحساسية عالية أي تقارب بين الرياض وأبوظبي، فإذا ظل البلدان مختلفين بصورة حادة في ملفات المنطقة، تستطيع الأطراف السودانية التعامل مع هوامش التنافس بينهما، أما إذا انتقلا إلى مستوى أعلى من التنسيق، فقد تضيق تلك الهوامش، وتصبح قدرة الرياض وأبوظبي على صياغة موقف مشترك أو ممارسة ضغط متوازٍ أكبر.
وهناك احتمالاً آخر ينبغي أخذه بجدية: إذا خلصت الرياض وأبوظبي إلى أن استمرار الحرب السودانية أصبح يهدد البحر الأحمر والملاحة والاستقرار الإقليمي بصورة أكبر من المكاسب التي توفرها علاقاتهما المختلفة مع الأطراف السودانية، فقد ينشأ حافز لتنسيق أكبر بينهما داخل الرباعية، لا توجد حتى الآن أدلة على أن هذا التحول حدث، لكن هذه هي النقطة التي تستحق المراقبة في الأسابيع المقبلة.
بالنسبة للبرهان، المسألة لا تتعلق فقط بالحصول على دعم سعودي، فوضعه الخارجي أصبح أكثر تعقيداً بعد التصعيد الأخير مع الولايات المتحدة، فيما تتمسك الرياض من جهتها بخطاب يركز على وحدة السودان واستقراره وسيادته ولا يمنح في بياناتها العلنية تفويضاً سياسياً غير مشروط لأي طرف سوداني، ومن ثم فإن الاتصال بمحمد بن سلمان لا ينبغي تفسيره تلقائياً كإشارة إلى اصطفاف سعودي خلف البرهان شخصياً؛ فهو يؤكد استمرار قناة الاتصال السعودية مع قيادة الجيش، لكنه لا يخبرنا حتى الآن بما إذا كانت المملكة مستعدة لتحويل ذلك إلى دعم لمستقبله السياسي.
وهنا تحديداً تبرز أهمية التمييز بين السعودية والجيش السوداني والبرهان كشخص، فالمملكة لديها مصالح مباشرة في بقاء السودان موحداً وعدم انهيار مؤسسات الدولة على الضفة الأخرى للبحر الأحمر، لكن هذه المصالح لا تستلزم بالضرورة تبني كل مواقف قائد الجيش أو ضمان بقائه السياسي، وبالمثل، فإن أي تقارب سعودي إماراتي لا يعني بالضرورة قبول الرياض بالمقاربة الإماراتية في السودان أو قبول أبوظبي بالمقاربة السعودية.
الأدق ربما أن نقول إننا أمام تفكيك تدريجي لفكرة المحاور الصلبة نفسها. والإمارات تتعامل مع إسرائيل والسعودية في الوقت ذاته السعودية تعيد الحوار مع الإمارات بينما توسع تعاونها الدفاعي مع تركيا وباكستان وتعمل مع الولايات المتحدة، وفي السودان السعودية والإمارات عضوان في الرباعية .
هذه ليست خريطة تحالفات بالمعنى التقليدي؛ إنها شبكة مصالح متداخلة، الدولة الواحدة قد تكون شريكاً في الأمن البحري، منافساً في اليمن، متعاوناً في الاقتصاد، ومختلفاً في السودان. ولذلك فإن مصطلح «إدارة التشابك» أقرب إلى الواقع من الحديث عن «محور واحد» أو «صفقة كبرى» لم تظهر أدلتها بعد.
ما حدث خلال الأيام الأخيرة لا يكفي لإثبات وجود غرفة عمليات إقليمية واحدة تمتد من تل أبيب إلى أبوظبي والرياض والخرطوم، لكنه يكشف شيئاً ربما أكثر أهمية: العواصم المعنية تعيد تقييم تكلفة خلافاتها القديمة في مواجهة بيئة أمنية أصبحت أكثر ترابطاً وخطورة.
الإمارات تريد الاحتفاظ بعلاقتها الاستراتيجية مع إسرائيل من دون أن تتحول خلافاتها مع السعودية إلى قطيعة، والسعودية تحتاج إلى إعادة ضبط العلاقة مع أبوظبي بينما تواجه تصعيداً حوثياً وتهديدات لأمن الطاقة والبحر الأحمر، وهي في الوقت نفسه توسع شبكة علاقاتها الأمنية خارج الخليج، أما البرهان فيتحرك داخل مشهد يدرك فيه أن العلاقة بين الرياض وأبوظبي قد تكون أكثر تأثيراً في مستقبل الحرب السودانية من العلاقة مع كل منهما منفردة.
ولهذا فإن الخبر الأهم ليس بالضرورة زيارة نتنياهو، ولا زيارة منصور بن زايد، ولا اتصال البرهان كلٌ على حدة، الخبر الحقيقي الذي ينبغي مراقبته هو ما إذا كانت هذه الاتصالات ستنتج لاحقاً سلوكاً منسقاً: موقفاً سعودياً إماراتياً مشتركاً من اليمن، أو تحركاً موحداً داخل الرباعية بشأن السودان، أو ضغطاً متزامناً على الجيش الرافض للسلام، أو ترتيبات جديدة لأمن البحر الأحمر.



