
الصديق المريود
في لحظة مفصلية من تاريخ السودان و من مدينة نيالا بتاريخ 20 يوليو 2025، تم الإعلان عن ميلاد حكومة تأسيس، حكومة انتقالية مدنية ذات طابع اتحادي، جاءت بتوافق ثوري و مدني يمثل أقاليم السودان جميعها، من الهامش إلى المركز. هذه الخطوة لم تكن انفعالًا سياسيًا عابرًا أو رد فعل على توازنات القوة الراهنة، بل إعلان إرادة شعبية ظلّت تتشكل عبر سنوات من الظلم، و التهميش، والانفصال القسري عن القرار الوطني.
خلافًا لما يروج له إعلام قوى الثورة المضادة، فهذه ليست “حكومة الدعم السريع”، بل حكومة مدنية ذات طابع تأسيسي جمعت قوى الهامش والتغيير والمقاومة المدنية في بوتقة واحدة. يتكون مجلسها الرئاسي من خمسة عشر عضوًا يمثلون أقاليم السودان التاريخية، برئاسة القائد الأمير محمد حمدان دقلو، ونائبه القائد عبد العزيز الحلو، أحد أبرز دعاة العدالة والحقوق في جبال النوبة، بينما تولى رئاسة مجلس الوزراء محمد حسن التعايشي، الشخصية المدنية المعروفة بدفاعها عن التحول الديمقراطي والتنوع الثقافي.
هذا الإعلان لم يأتِ من فراغ، بل جاء تتويجًا لحراك شعبي واسع النطاق، حيث شهدت مدن السودان الكبرى خروج أكثر من عشرين مليون مواطن في مواكب دعم غير مسبوقة، هتفت من أجل التأسيس الجديد، ومن أجل تمثيل حقيقي يعكس هوية السودان المتعددة والمقهورة لقرن من الزمان. إنها جماهير خرجت لا لأجل أشخاص، بل لأجل مشروع يؤمن به الناس ويجدون فيه ذواتهم التي سُرقت منهم منذ الاستقلال.
من قلب دارفور، حيث كانت أرض الحرب والنسيان، تنبعث الآن روح جديدة تقود السودان نحو أفق مختلف. حكومة تأسيس تعيد تعريف المركز، ليس كجغرافيا محمية، بل كقيمة تُبنى على العدالة والمساواة والتمثيل الحقيقي. إنها حكومة جاءت بتفويض شعبي، ووضعت في صلب أهدافها إنهاء التمكين، تفكيك الأجهزة القمعية، وبناء مؤسسات تعكس تطلعات السودانيين في الكرامة والسيادة والمشاركة.
في المقابل، يواصل المجلس السيادي المترنح في بورتسودان، بقيادة عبد الفتاح البرهان، التمسك بصيغ قديمة لا تزال ترتكز على إعادة إنتاج سلطات جماعة الإخوان المسلمين بوجوه مدنية مستعارة. وقد تم فرض كامل إدريس رئيسًا لوزراء ما سُمي بـ”الحكومة المدنية”، وهي تسمية فضفاضة لم تخدع أحدًا، إذ سرعان ما تكشفت حقيقتها كامتداد صريح لتحالف العسكر والإسلاميين الذين ورّطوا السودان في حروب الإبادة وفساد الدولة ونهب الموارد.
إن كامل إدريس ليس إلا قناعًا جديدًا لمشروع قديم، يُعيد تدوير المأساة نفسها التي ظل يعيشها الشعب السوداني لعقود. فمنذ انقلاب 1989، ظلت جماعة الإخوان تتحكم في مفاصل الدولة عبر آلية عسكرية قمعية، تارة عبر البشير، وتارة اليوم عبر البرهان ورفاقه. وما إعلان “الحكومة المدنية” من بورتسودان إلا محاولة يائسة لإطالة عمر المشروع الفاشل نفسه، حتى ولو على حساب وحدة البلاد واستقرارها.
في المقابل، يظهر تحالف “تأسيس” كحركة واعية، تستند إلى رؤية سياسية واضحة، لا تسعى إلى الانتقام أو الإقصاء، بل إلى البناء والتحول السلمي. لقد بدأت هذه الرؤية تتحول إلى فعل على الأرض: مجالس مدنية، إدارة للخدمات، مشاركة حقيقية للقواعد، وصوت قوي في المحافل الإقليمية والدولية، يحمل هموم الوطن لا أجندات مشبوهة.
الدرس التاريخي واضح: لا مستقبل لأي مشروع لا يحترم إرادة الناس. الجماهير التي خرجت لتأييد حكومة تأسيس لم تخرج من فراغ، بل دفعتها سنوات الجوع، القصف، الاغتصاب، النزوح، والتمييز الجهوي. خرجوا ليعلنوا أن السودان ليس مزرعة للجنرالات، ولا حقلاً لتجارب الإسلاميين، بل وطن لكل من يسعى إلى حريته وكرامته ومكانته.
إن ما نشهده اليوم ليس فقط إعلان حكومة بديلة، بل لحظة تحول جذري في وعي السودانيين. لم تعد فكرة السودان الموحّد العادل حلمًا طوباوياً، بل مشروعًا ممكنًا، شرط أن تُمنح الجماهير الكلمة، ويُفتح المجال أمام قوى الهامش، وتُعاد صياغة الدولة على أسس تشاركية جديدة.
إذا كانت ثورات العالم – من جنوب أفريقيا إلى كولومبيا – قد أثبتت أن الهامش حين يتكلم يُعيد تعريف المركز، فإن ما يحدث الآن في السودان هو الخطوة الأولى نحو تلك المعادلة. فإما تأسيس على أسس جديدة، أو استمرار في الانهيار واللا دولة. أما الشعب، فقد قال كلمته في نيالا: نحن هنا، وسنُعيد السودان كما نريد، لا كما يُراد لنا.




