رأي

متاهة السلطان: الجنرال مناوي نموذجًا

نجم الدين دريسه

نجم الدين دريسه

يبدو أن الجنرال مني أركو مناوي، رئيس حركة وجيش تحرير السودان، قد بلغ مرحلة من التخبط السياسي والتنظيمي تجعل من كل قراراته الأخيرة انعكاسًا مباشرًا لعزلته المتزايدة وفقدانه البوصلة. القرار الأخير الذي اتخذه بفصل قيادات بارزة من الحركة، ليس سوى رد فعل انفعالي على الإعلان عن مؤتمر صحفي كان مقررًا عقده في السابع من أغسطس بكمبالا، هدفه إجراء مراجعات جذرية للمسار السياسي والتنظيمي للحركة بعد سنوات من التدهور والانحراف عن أهدافها.
لكن مناوي، الذي اعتاد أن يواجه الأزمات بالمؤامرات الصغيرة وقرارات الغرف المغلقة، اختار أن يستبق المؤتمر بقرار متعجل، غارق في التناقضات، وذي أغراض مكشوفة. الأدهى أنه ذيله بتاريخ قديم، في محاولة ركيكة للتغطية على دوافعه الحقيقية. هذه الأساليب، التي قد تخدع بعض البسطاء، لا تمر على القارئ الحصيف، الذي يدرك أن مناوي يحاول فقط حماية موقعه، حتى لو كان الثمن هو مزيد من الانقسام داخل الحركة.

مؤتمر كمبالا: كشف المستور

المؤتمر الصحفي بكمبالا لم يكن مجرد مناسبة لتبادل الآراء، بل جاء كمنصة لتعرية أخطاء مناوي المتراكمة، والانحرافات العميقة في خط الحركة السياسي والثوري. المتحدثون، وهم من القيادات التاريخية التي أسست قواعد الحركة وقدمت التضحيات الجسام، أكدوا أن مناوي فاقد للشرعية منذ سنوات طويلة. فقد انتُخب في 2005م رئيسًا للحركة، ومنذ ذلك التاريخ – أي لما يقارب العقدين – لم يسمح بقيام مؤتمرات تنظيمية كان من شأنها تجديد الدماء وضبط المسار.
الأخطر أن مناوي، بحسب هذه القيادات، سمح باختراق الحركة من عناصر ذات ارتباط بجماعات الهوس الديني، وهو ما انعكس في مواقفها الملتبسة من ثورة ديسمبر، ثم مشاركتها في ما عرف بـ”اعتصام الموز”، وصولًا إلى مباركة انقلاب 25 أكتوبر 2021 الذي اتضح لاحقًا أنه كان مخططًا إخوانيًا لإعادة التمكين.
لكن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت قراره بفك الحياد والانحياز إلى أحد أطراف الجيش، ليقاتل جنبًا إلى جنب مع عدو الحركة التاريخي: الحركة الإسلامية وكتائبها المسلحة. هذا الموقف لم يكن مجرد انحراف سياسي، بل خيانة صريحة للخط الثوري الذي تأسست عليه الحركة، وأفقدها ما تبقى من مصداقيتها بين أنصارها وحلفائها.

الكتلة الحرجة: بداية نهاية مناوي

الخطوات التي اتخذتها المجموعة الإصلاحية تعني عمليًا تجميد نشاط مناوي في الحركة. هذه المجموعة، بما تملكه من ثقل سياسي وتنظيمي، تمثل الكتلة الحرجة القادرة على فرض إصلاح حقيقي يعيد للحركة بريقها النضالي. فهي لا تتحرك بدوافع شخصية، بل انطلقت من قناعة أن الحركة، التي قدمت قوافل من الشهداء من أجل التحرير، تستحق قيادة جديدة تحمل مشروعًا مدنيًا واضح المعالم، بعيدًا عن النزعات الانتهازية والارتزاق السياسي.
في المقابل، بات مناوي نموذجًا للقائد الذي فقد كل مؤهلات القيادة، حتى صار مادة للسخرية والتندر في الساحة السياسية. فخطاباته وتصريحاته ومواقفه لا تنم عن بعد نظر، بل تكشف عن ضيق أفق واستبداد شخصي، وعن دوغمائية تحكم قراراته على نحو يضر بالحركة وبالمشروع المدني في السودان ككل.

صورة السلطان في المتاهة

إن ما يقدمه مناوي اليوم ليس صورة القائد الثوري الذي “لا يكذب أهله”، بل صورة “السلطان” الذي يبيع قضيته في سوق السياسة مقابل مكاسب آنية، ولو على حساب دماء الشهداء وتضحيات القواعد. وهو بذلك لا يقود الحركة نحو التحرير، بل يسير بها في ممرات متاهة موصولة بجدران الانقسام، والاستبداد، والارتباط بأجندات لا علاقة لها بمشروع السودان المدني الديمقراطي.

قراءة في السياق الأوسع

إن أزمة مناوي ليست حادثة معزولة، بل هي امتداد لمسار أوسع من التشوهات التي أصابت المشهد السياسي السوداني بعد ثورة ديسمبر 2018. فبدل أن تتحول الشراكات السياسية والعسكرية التي نشأت بعد الثورة إلى منصات لتأسيس مشروع وطني جامع، انزلقت بعض القوى – ومنها حركات مسلحة – إلى حسابات السلطة الضيقة، وتقاسم الغنائم، والارتهان لقوى إقليمية ودولية. هذا الانحراف عن المسار الثوري فتح الباب أمام عودة فلول النظام البائد عبر انقلاب 25 أكتوبر، وأتاح لحركات الكفاح المسلح أن تصبح أداة في صراعات عسكرية لا علاقة لها بأهدافها المعلنة.
في هذا السياق، يصبح مناوي مثالًا حيًا على كيف يمكن للقائد الذي بدأ مسيرته في صفوف التحرر أن يتحول، بفعل إدمان السلطة وغياب الضبط المؤسسي، إلى جزء من منظومة تعيد إنتاج الاستبداد القديم بأدوات جديدة. وهو ما يجعل تصحيح المسار داخل حركة وجيش تحرير السودان ضرورة سياسية ووطنية، لا مجرد شأن تنظيمي داخلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!