رأي

كوادر الأزمات أشباه سياسيين وعشائريون في رداء المجتمع

محمود كاربينو

محمود كاربينو

حين تشتد الأزمات وتضيق المسارات لا تظهر فقط هشاشة الأنظمة، بل تتجلى أيضاً هشاشة من تسللوا إلى المجال العام دون جذور حقيقية أو وعي عميق بمعنى السياسة ومسؤولية القيادة، في زمن الفراغات الوطنية تصعد إلى السطح وجوه متكلفة تتقن الدور أكثر من امتلاكها للجوهر، وتلبس لبوس الدولة وهي لا تعرف شيئً عن معنى الدولة ، هؤلاء هم كوادر الأزمات كائنات سياسية مؤقتة، تحيا على وقع الانهيارات، وتنتعش في لحظات الفوضى لأن النظام يعني نهايتهم، والمشروع يعني نهايتهم، والحقيقة كذلك.

هم أشباه سياسيين لا يحملون مشروعاً ولا يتكئون على رؤية وطنية أو برنامج للنهضة، بل يعودون في كل لحظة مأزومة إلى حضن القبيلة ويتكئون على خُشوم البيوت، لا بوصفها امتداداً اجتماعياً طبيعياً بل باعتبارها منصات عبور إلى الفضاء العام، فهم لا يدخلون المشهد من بوابة الوعي أو الكفاءة بل من مداخل الولاء والانتماء الضيق، وحين تسنح لهم اللحظة يستعيرون قاموس الدولة ويتمظهرون بمظهر السياسيين بينما قناعاتهم وبناهم المرجعية لا تزال حبيسة منطق العشيرة ومفاهيم السيطرة الاجتماعية.

يستبدلون العمل السياسي بحفلات الولاء ويُكثرون من الحديث عن المصلحة الوطنية وهم في الواقع يضعون كل ثقلهم في إعادة إنتاج مراكز النفوذ التقليدية ، يزيفون الوعي عبر الإعلام والشعارات ويرتبكون أمام الأسئلة الجوهرية حول الدولة والمواطنة والمشروع الوطني لا شيء يربطهم بالسياسة إلا ما تتيحه من مناصب وامتيازات، وما تفتحه لهم من نوافذ للتموضع الشخصي ، فهم خلاصة التحلل السياسي الذي أفرزته العقود الرديئة، حيث تماهت مؤسسات الدولة مع هياكل الولاء القبلي والجهوي واختلطت السياسة بالسلطة حتى تفسخ المعنى وتوارى المشروع.

هؤلاء لا يولدون من فراغ بل تفرزهم بيئات منهارة تفقد فيها الدولة معناها ويصبح المجتمع مسرحاً مفتوحاً للفوضى المقنعة ، يملأون الفراغ العام بالضجيج والتكتيك اللحظي، ويُحكمون قبضتهم على اللحظة بخطاب لا يعول على الذاكرة الجماعية، بل يستند إلى الخوف والحاجة والاصطفاف ، هم لا يرون في الوطن جماعة وطنية واحدة، بل فسيفساء من المصالح الجزئية التي يجب تدجينها أو استغلالها لا توحيدها.

وحين تقع الكارثة يتصدرون المشهد لا لحلها بل لإعادة تدوير أنفسهم كـ”منقذين” و”وسطاء”، بينما هم في الحقيقة تجار أزمات يتقنون إدارة الانهيار أكثر من بناء البدائل ، كل دمعة تُذرف على الوطن وكل فرصة ضائعة وكل لحظة انتظار مريرة، تتحول في أيديهم إلى فرصة جديدة للاستثمار في الرداءة.

إن المجتمعات التي تسعى إلى الخروج من نفق الانقسام وبناء دولة حقيقية لا بد أن ترفض هذا النمط من الكوادر ، لا يمكن أن تُبنى الأوطان بأشباه السياسيين ولا أن تُدار المجتمعات بالعشائرية المقنعة ، الوطن ليس حصة في غنيمة ولا مرقاة للعاجزين، بل هو مشروع يتطلب عقولاً تُفكر وضمائر تستشعر المسؤولية، ونُخباً تتجاوز الولاءات الضيقة لتصوغ مستقبلاً يعبر بالجميع إلى ضفة الأمل.

المعركة اليوم ليست مع أدوات القمع وحدها بل مع هذا النمط من “السياسيين البديلين”، الذين يتسللون عبر الشرعية الاجتماعية لينقضوا على الحيز العام بلا كفاءة أو وعي ، إنها معركة وعي بامتياز ومعركة فرز دقيق بين من يصلح لحمل الأمانة ومن اعتاد أن يحكم فقط حين تنهار الأشياء.

وفي النهاية فإن الوطن هذا الكائن المثقل بالجراح، لن يستمر في دفع فواتير العجز والرداءة إلى الأبد ستنهض فيه طاقات جديدة، تُقصي الزيف وتُعيد للسياسة معناها وللمجتمع كرامته، وللدولة مكانتها ، حينها فقط ستُطوى صفحة كوادر الأزمات، ويُطرد الرداء العشائري من الفضاء العام، لا لشيء سوى لأن الوطن استعاد وعيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!