التأثيرات الاقتصادية المترتبة على قرار الإمارات بوقف الرحلات الجوية والبحرية بينها وبين السودان
تقرير: صالح السليمي

تقرير: صالح السليمي
توطئة
في أوائل أغسطس 2025 تصاعد التوتر الدبلوماسي بين الخرطوم وأبو ظبي، قررت الامارات منع هبوط الطائرات السودانية في مطاراتها، كما منعت جميع السفن التي ترفع علم السودان من التوقف في أي مواني إماراتية او أي موانئ تديرها الامارات أو كذلك منعت استخدام مسارات ترانزيت التي ترتبط بالإمارات، جاء ذلك في ظل اتهامات متبادلة مرتبطة بالحرب في السودان. هذا الإجراء يختلف عن القيود الموقتة على الرحلات التي عادة ما تكون لأسباب طارئة؛ فهو قرار له أبعاد اقتصادية شديدة الخطورة من النواحي اللوجستية والتجارية واسعة النطاق. في هذا المقال نتتبع هذا القرار وتداعياته المختلفة: –
1. التأثير الفوري على حركة الركاب
• وقف الخطوط المباشرة: ان تعليق الرحلات المباشرة بين الخرطوم (وموانئٍ سودانية أخرى) ودبي/أبو ظبي يجبر المسافرين على تحويل رحلاتهم عبر مطارات أخرى (القاهرة، إسطنبول، إنشاء مسارات أطول). هذا بالطبع يزيد من زمن الرحلة وتكلفة التذكرة، ويثقل كاهل المهاجرين والطلاب والمرضي.
• كذلك يؤدي لتأخير تحويلات العاملين والتحويلات الشخصية؛ عبر قنوات السفر التجارية التي تُستخدم أيضاً لنقل الأموال غير الرسمية أحيانًا أو لوجستيات الأعمال؛ كما تؤدي لإعاقة الحركة وقد تقلّص التدفق المؤقت للتحويلات الشخصية وتؤثر على سيولة الأسر المستفيدة.
• الآثار الإنسانية المتعلقة بإجلاء والرعاية الصحية: في أوقات النزاع كما في حالة السودان يحتاج المواطنون إلى مغادرة البلاد من اجل الوصول لمراكز العلاج؛ عليه فإن تعطّل الرحلات يزيد من تكلفة الإجلاء والتأخير في نقل المرضى.
2. التأثير على حركة السلع والبضائع والسلاسل اللوجستية
• الإمارات كمركز ترانزيت وإعادة تصدير عالمي؛ عبر ميناء جبل علي وشبكات موانئ أبو ظبي العالمية (DP World) ومرافق التخزين في دبي تُعدّ مركزاً إقليمياً. كما ان غالبيّة سلاسل الإمداد التي تمرّ عبر الإمارات تعتمد على سرعة الشحن وإجراءات التخليص السلسة؛ لذلك فإن إغلاق هذه الوجهات أو منع السفن التي تحمل علم السودان من الرسو عليها حتما سيؤدي إلى إعادة توجيه هذه السفن الى طرق أطول (مثال الموانئ المصرية أو جيبوتي)، مما يزيد من زمن الشحن وتكاليفه، علاوة على ضعف كفاءة تلك الموانئ مقارنة بالموانئ الاماراتية.
• الآثار على السلع سريعة الدوران لاسيما السلع الطبية: تعطيل حركة هذه السلع يؤثر بقوة على الشحن الجوي والذي ينقل السلع الحساسة (أدوية، قطع غيار طبية، أغذية سريعة التلف). بالتالي ستزداد مخاطر نقص هذه السلع يؤدي لارتفاع أسعارها.
• هناك تكاليف إضافية تتعلق بالتجار وحاجز السيولة: لأن تغيير المسارات أو اعتماد سلاسل توريد أطول يتطلب ترتيبات لوجستية جديدة، ودفع رسوم تخزين وإعادة توجيه، وزيادة أقساط التأمين على الشحن في حال ان المنطقة تنطوي على مخاطر.
3. تأثير الذهب: لماذا يجعل القرار اقتصاد السودان أكثر هشاشة؟
• الذهب هو المصدر النقدي الرئيسي للسودان في الوقت الراهن: حيث شكّلت صادرات الذهب في 2023–202 نسبة كبيرة من قيمة صادرات السودان. وتشير تقارير مختصة إلى أن غالبية الذهب المُصدّر رسميًا (وأجزاء من غير الرسمي) اتجهت إلى الإمارات؛ في 2024 قدر البنك المركزي وتقارير متخصصة اخرى أن نحو 97% من الصادرات الرسمية (من مناطق معيّنة) ذهبت إلى الإمارات، بقيمة إجمالية تُقدّر بـ ~1.5 مليار دولار بحسب مصادر تحليلية. اعتماد شديد كهذا يجعل أي قطيعة مع الشريك المشتري ضربة قوية للاحتياطيات.
• القيمة والواقع: بيانات OEC/UN Comtrade وبيانات بحثية تشير إلى أن الذهب كان ضمن الصدارة (في 2023 بلغ قِيَمًا تقارب أو تفوق المليار دولار). أي إعاقة لمسارات الذهب أو قيود على النقل عبر دبي ستقفل مسارًا نقديًا مهمًا للدولة أو للجهات المسيطرة على الإنتاج.
4. أرقام التجارة: حجم التبادل (ملخّص رقمي حديث)
• صادرات السودان إلى الإمارات (2023): الذهب يَمثّل الجزء الأكبر، وبيانات تشير إلى نحو 1.0 – 1.5 مليار دولار قيمة صادرات الذهب/إجمالي صادرات لـالإمارات.
• واردات السودان من الإمارات (2023–2024): تتركّز في سلع مصنّعة ومعدات ومواد بناء، بقيمة تقارب 0.8 – 1.1 مليار دولار بحسب المصدر والزمن.
5. تداعيات إضافية متوسطة وطويلة الأمد على السودان
• سوف يواجه السودان ضغوط شديد على الاحتياطيات وميزان المدفوعات: لان تراجع صادرات الذهب أو تعطّل قنوات التصدير إلى سوق رئيسي مثل الامارات سيؤدي إلى ندرة دولارات وارتفاع سعر الصرف المحلي الذي يعاني انخفاض متواصل، ما يفاقم التضخم ويعرقل استيراد السلع الأساسية.
• اضطراب الأسواق المحلية وأسعار المواد: ارتفاع تكاليف الشحن والبدائل يُترجَم مباشرة إلى زيادة أسعار السلع في الأسواق (الوقود، المواد الغذائية المصنعة، الأدوية).
• تأجيل استثمارات ومشروعات بنية تحتية: الإمارات ضمن المستثمرين في مشروعات لوجستية وبنيوية؛ فإن توتر العلاقات غالبا ما يؤجل هذه الاستثمارات أو الشراكات المستقبلية (ميناء، طاقة، زراعة).
6. هل ستتضرر الإمارات كذلك؟ ما هو نطاق ذلك الأثر
• الأثر النقدي المباشر محدود نسبيًا: حجم التجارة الإماراتية مع السودان، رغم أهميته للسودان، يظل جزءًا صغيرًا من إجمالي تجارة الإمارات العالمية. لذلك الخسارة على مستوى الناتج الكلي الإماراتي ستكون محدودة مقارنةً بالخسارة التي يتكبدها السودان.
• هناك خسائر قطاعية ملموسة تتعلق بشركات اللوجستيات، خطوط شحن، ومشغلو الموانئ، هؤلاء قد يخسرون عوائد الترانزيت ورسوم الخدمات وإيرادات إعادة التصدير؛ خصوصًا إذا استمر توقف الشحن طويلًا.
• كذلك، هناك خسارة تتعلق بالسوق النقدي المرتبط ب(الذهب) هذا قد يُقلّص أرباح تجار ومصادر في الإمارات.
7. السودان؛ سيناريوهات محتملة قصيرة ومتوسطة الأجل
• إعادة التفاوض الدبلوماسي: لو تواصلت القنوات الدبلوماسية وحُلّت القضايا الأمنية فإن تعليق الرحلات قد يُرفع بسرعة، ويعود الوضع لما قبله مع خسائر مؤقتة
• استمرارية القيود وتحوّل مسارات التجارة بشكل دائم: ان استمرار الحظر قد يدفع التجار السودانيين إلى تحويل خطوط الشحن إلى موانئ بديلة (جيبوتي، مصر — السويس والاسكندرية)، أو الاعتماد على شبكات إعادة تصدير عبر تركيا أو أوروبا، ما يزيد التكاليف على المدى المتوسط.
• تفاقم الأزمة النقدية والإنسانية: حيث ان استمرار إغلاق قنوات الذهب والتصدير قد يؤدي حتما إلى تقلّص الواردات الأساسية وتدهور سعر الصرف باستمرار وزيادة معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي للسودانيين.
8. السودان؛ خيارات محدودة ولكنها متاحة؛
• السعي لتنويع مسارات التصدير (البحث عن منافذ بديلة للذهب والسلع)، بناء احتياطيات طارئة للسلع الأساسية، أو رنما فتح قنوات دبلوماسية للتفاوض على استثناءات إنسانية، واستثناءات تشمل شحن بعض السلع الضرورية بما في ذلك الادوية والمعدات الطيبة.
• يقوم التجار والمستوردين السودانيين بتفعيل بنود القوة القاهرة في العقود، إعادة التعاقد مع شركات شحن بديلة، ومراجعة عقود التأمين للحمولات لتشمل مخاطر سياسية.
• التعاون مع المجتمع الدولي ومانحي المساعدات: بصدد بناء وإعداد آليات دعم نقدي طارئ لتعويض فجوة الدولار التي سوف يخلقها انقطاع صادرات الذهب لفترة طويلة، وهذه الفرصة محدودة في حالة السودان.
خاتمة موجزة
القرار الإماراتي بوقف الرحلات الجوية والبحرية بين البلدين ليس مجرّد مسألة نقل إنما يمثل ضربة قاضية للاقتصاد السوداني المتعثر بسبب الحرب وسوء الإدارة والفساد، والذي يعتمد على ريع الذهب الصادر للإمارات، من حيث قنوات الذهب واللوجستيات. ربما تتعرض الإمارات لخسائر قطاعية ولخسائر فرص مستقبلية، لكن الضربة الحقيقية ستكون على السودان، من حيث الضغوط الشديدة على الاحتياطيات، ارتفاع الأسعار، وتعطّل الخدمات الحيوية والإنسانية. كما ان طول أمد هذا الإجراء سيحدد ما إذا كان التأثير مؤقتًا ويُعوّض لاحقًا أو يتحول إلى أزمة اقتصادية أعمق مع انعكاسات إقليمية.




