رأي

مأتم الجنيه .. وعرس السلطة!

علي أحمد

علي أحمد

في بورتسودان، يبدو المشهد أشبه بمسرحية عبثية سوداء: الجنيه السوداني يلفظ أنفاسه على سرير الاقتصاد، والحكومة تحيط به كما لو كانت في عرسٍ صاخب، توزّع المشروبات الباردة وتقهقه، وكأن احتضار العملة الوطنية مجرّد مناسبة اجتماعية للتسلية. الدولار يقفز قفزات بهلوانية في السوق الموازية، والأسعار تتسابق نحو قممٍ سحيقة، بينما المواطن يتدحرج على سلّم المعيشة هبوطًا أسرع من انزلاق المصعد المتهالك.

الحرب التهمت ما تبقى من أعمدة الاقتصاد؛ الزراعة غدت حقولًا يابسة كالعظام، المصانع أوصدت أبوابها، الصادرات تلاشت كضباب الفجر، والاستيراد استحال وحشًا يبتلع ما تبقى من العملة الصعبة. حتى التحويلات الخارجية، التي كانت بصيص أملٍ ضئيل، صارت تتسرّب عبر قنوات الفساد كما يتسرب الماء بين الأصابع. ومع ذلك، لا أحد من أهل السلطة يرفع إصبعًا ليوقف النزيف، بل يبدو أنهم وجدوا في الانهيار فرصةً ذهبية لتضخيم أرصدتهم.

الموظف اليوم، براتبه الذي لا يعادل ثمن كيس بصل، يعيش على فتات الأيام. الطبيب، المعلم، والعامل، باتوا جميعًا خبراء في فنون الجوع الإجباري، يعدّون الأسعار كما يعدّ السجين أيامه المتبقية. الوجبات تتضاءل، السكر يغيب عن الشاي، واللحم غدا ذكرى بعيدة، فيما حكومة العسكر والفاسدين والكيزان والمرتزقة تتحدث عن “تحقيق الاستقرار الاقتصادي” بوجوه لا تعرف للخجل معنى.

هنا، الجهل الاقتصادي ليس محض صدفة، بل سياسة ممنهجة. فحكومة بورتسودان تدرك أن حل الأزمة يعني نهاية أرباح حاشيتها. السوق السوداء أصبحت الذراع المالية الحقيقية، يديرها اللصوص حلفاء السلطة وتجار الحروب، وكلما هبط الجنيه، تضاعفت مكاسبهم بالدولار. أما المواطن الغارق في الفقر والجوع، فما هو إلا وقودٌ لاستمرار هذه المنظومة الجشعة، والبلاد كلها تحوّلت إلى وليمة مفتوحة على مائدة العصابة الحاكمة.

وزراؤهم يتحدثون عن خطط إصلاحية كما يتحدث الدجالون عن المعجزات، بينما كل ما يفعلونه هو طباعة المزيد من أوراق الجنيه الميتة وضخها في السوق. القرارات الاقتصادية تُطبخ في غرف مغلقة على مبدأ “رزق اليوم باليوم”، وكأنهم يديرون دكانًا مفلسًا لا دولة لها تاريخ وحضارة.

حكومة الأمر الواقع في بورسودان مثال حي على أن اجتماع الجهل مع الطمع يفضي إلى قنبلة نووية تفتك بأي اقتصاد. كيزان يعيدون إنتاج خرابهم، جنرالات حرامية لا يرون أبعد من أكتافهم الموشّاة بالدبابير والعقارب، أمراء حرب يتاجرون بالدماء، وزعماء قبائل يوزّعون المناصب كما تُوزَّع الذبائح في الولائم.

الجنيه الآن في غرفة الإنعاش، أنابيب حياته موصولة بالسوق الموازية. الحكومة لا تحاول إنقاذه، بل تراقب نبضه يضعف وتبتسم. وحين يسألهم الناس: “إلى أين نسير؟” يردّون بعبارات مكرورة عن “الغد المشرق” أو يصرخون بهستيريا “بل بس”، فيما يعلم الجميع أن الوجهة الحقيقية هي جحيم اقتصادي، حيث الجوع والبطالة وانعدام الأمل.

في النهاية، ليست الكارثة في أن الجنيه ينهار، بل في أن من يملكون القدرة على إنقاذه يربحون أكثر كلما سقط. إنها معادلة شيطانية تجعلنا نحيا ما هو أسوأ من جهنم؛ ففي جهنم ـ على الأقل ـ يعرف أهلها لماذا يُعاقَبون، أما نحن فنؤدي ضريبة جريمة لم نرتكبها.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!