الحلقة الخامسة: الذات العنصرية عبدالرحمن عمسيب نموذجا؛ أسئلة مشروعة حول الظاهرة العمسيبية – من يقف وراء الخطاب العنصري؟
صالح السليمي

صالح السليمي
بعد أربع حلقات من تفكيك خطاب الذات العنصرية، وتحليل سلوكيات عبد الرحمن عمسيب كنموذج فجّ لهذا التيار المنفلت، نتوقف في هذه الحلقة الخامسة عند مجموعة من الأسئلة المحورية، ليس من باب الاستفهام الاستنكاري فحسب، بل من أجل سبر أغوار الظاهرة العمسيبية التي تجاوزت في خطرها حدود الشتائم العنصرية، لتلامس عمق الأمن القومي والسِّلم الاجتماعي في السودان.
أولاً: هل عبدالرحمن عمسيب مجرد حالة فردية أم مشروع مدبَّر؟
رغم الطابع الانفعالي والمضطرب للخطاب الذي يقدّمه عمسيب، إلا أن المنهجية المنتظمة في بث الكراهية، وتكرار العبارات المحسوبة بدقة، وتوقيتها المتزامن مع لحظات مفصلية في الصراع السياسي والعسكري في البلاد، تضعنا أمام سؤال جاد:
هل ما يفعله عمسيب تعبير عن فرد مضطرب فقط، أم أنه واجهة لمشروع مخابراتي أكثر خطورة؟
كذلك، إن متابعة دقيقة لمحتوى ما يبثه تشير إلى أنه لا يتحرك عفو الخاطر، بل يبدو أنه تم إعداده وتوجيهه مسبقًا لأداء دور محدد: تفتيت النسيج الوطني السوداني، وتأجيج الكراهية على أسس جهوية وعرقية، مقابل مصالح آنية أو امتيازات شخصية. وهو ما يفتح الباب لفرضية أن الرجل قد تم استنباته ورعايته من قبل جهات داخلية أو خارجية، استخباراتية أو سياسية، تدرك أن ضرب التماسك الوطني هو الخطوة الأولى لتمزيق السودان، وتحويله إلى ساحة صراع مستدام.
ثانياً: أين الدولة؟ وأين النائب العام؟
السؤال الذي لا يقل أهمية هو: لماذا تصمت الدولة؟ بل لماذا تصمت الأجهزة العدلية والقانونية المعنية بصيانة الأمن المجتمعي؟
أليس من واجب النائب العام، باعتباره محامي الدولة والمجتمع، أن يفتح تحقيقًا في هذه التصريحات، التي تشكل انتهاكًا صارخًا لقانون الجرائم المعلوماتية، وخطاب الكراهية، والتحريض على العنف؟
كما إن استمرار هذا الصمت الرسمي، رغم الفداحة المتزايدة للخطاب العمسيبي، يمثل تواطؤًا صريحًا أو إهمالاً خطيرًا، يهدد ما تبقى من مؤسسات الدولة، ويمنح الضوء الأخضر لاستنساخ مئات “العمسيبين” في المنابر والإعلام ووسائط التواصل.
ثالثاً: هل يقف السودان على أعتاب تكرار السيناريو الرواندي؟
لقد وقفنا في الحلقة الماضية عند تجربة رواندا، وكيف قاد الخطاب العنصري فيها إلى واحدة من أفظع المجازر في التاريخ الحديث. واليوم، إذ نتأمل المشهد السوداني، نرى بوضوح أن خطاب الكراهية الذي يتبناه عمسيب وأمثاله، ليس مجرد لغو أو شطط، بل نذير كارثة وشيكة. وهنا تبرز الأسئلة الأصعب: من المستفيد من تفكيك السودان بهذه الطريقة؟
هل هناك قوى محلية تستثمر في الانقسام لتأمين مواقعها في السلطة أو الثروة؟
هل هناك أجندات إقليمية تغذي النعرات العرقية لضرب وحدة السودان؟
بل، هل تقف قوى دولية خلف هذه المشاريع لتفتيت السودان إلى كيانات متنازعة، كما حدث في دول أخرى؟
رابعاً: إلى متى ستظل هذه الأسئلة معلقة؟
إن هذه الأسئلة لا يجوز أن تظل حبيسة الصدور أو طي الغضب الشعبي. بل ينبغي أن تتحول إلى دعوة جادة إلى تحقيق قضائي شفاف، ومحاسبة علنية، تكشف ليس فقط مسؤولية عبد الرحمن عمسيب، بل تفكيك كامل البنية التي تقف خلفه، وتموله، وتديره من خلف الستار.
إن تقديمه للمحاكمة لا يعني فقط وقف خطاب الكراهية، بل يمثل خط الدفاع الأول عن الدولة السودانية ومجتمعها، ويبعث برسالة واضحة أن هذا الوطن لا يُدار بالحقد، ولا يُفتّت بالعنصرية، ولا يُباع مقابل الفتات.
والله المستعان، وعليه التُكلان.
في الحلقة السادسة: ما هي مسؤولية النخبة السودانية والمجتمع المدني في مواجهة هذا الانحدار الأخلاقي والوطني؟




