رأي

ما بين الدبلوماسية وادارة جرائم الإلكترونية السفيرة قرناص في سابقة جديدة؛

عباس احمد السخي

عباس احمد السخي

في العالم الطبيعي، حين يختلف اثنان في الرأي، يتحاوران. في عالم السياسة، حين يختلف اثنان في الرأي، يتجادلان. أما في عالم الدبلوماسية المقلوب، حين يختلف أحدهم مع كاتب… يذهب إلى الشرطة!
هكذا قررت أميرة قرناص، أن تعود للأضواء لا عبر كتاب جديد أو مبادرة فكرية، بل عبر بلاغ ضد الدكتور الوليد مادبو، لأن مقالًا أدبيًا لم يرق لها. نعم، مقال أدبي، ذلك الكائن (المقال) المسكين الذي لا يحمل جواز سفر دبلوماسي، لكنه يملك قدرة فوق العادية على إرباك من لم يتعوّد على مواجهة النقد بالمنطق.
والسؤال البسيط هنا: إذا كانت الكلمات كفيلة بإرباك السفيرة قرناص، فكيف كان يمكنها أن تتعامل مع المفاوضات المعقدة والملفات الشائكة التي تمر على السفراء؟ وإذا كانت الحروف تهزّ أعصاب قرناص فهي بالقطع كانت الجليس الخطأ للدبلوماسية التقنية (!)

الدكتور الوليد مادبو، علم على رأسه نار، رجل ملء الدنيا وشغل الناس بعلمه وخلقه، فهو ليس من كُتّاب البخور السياسي، بل رجل حوكمة وفكر، يكتب بمشرط لا بمكحلة، يفتح الجروح ليعالجها، لا ليجرح لمجرد الجرح. لكن يبدو أن السيدة قرناص فضّلت أن ترد على العملية الجراحية بحقوقي يحمل أوراق البلاغ، وبدل أن تحمل قلمًا وتكتب ردّها بنفسها.

في الأعراف الدبلوماسية، السفراء يعرفون أن النقد جزء من المشهد، وهو كذلك أقصر الطرق للحقيقة وأن الرد يكون بالحجة، لا بمحاضر نيابة المعلوماتية، لكننا اليوم أمام مدرسة جديدة في العلاقات العامة؛ “بدل أن تكتب مقالك… اكتب رقم البلاغ”.
والطريف أن النص الذي أغضب قرناص ليس بيانًا سياسيًا ولا تسريبًا لمستندات، بل قطعة أدبية مفتوحة على التأويل. كان يمكن أن تمرّ مرور الكرام، لكن السفيرة قررت أن الكلمات أخطر من المدافع، وأن الاستعارات أشد فتكًا من الصواريخ، فاستدعت النيابة وكأنها تستدعي قوات الطوارئ!

ثم إن ما فعلته قرناص يكشف مأزقًا أكبر لدى بعض المسؤولين المفترضين: بعد ترك الكرسي، يظنون أن الدرجة الوظيفية ما زالت تمنحهم سلطة التحكّم في أصوات الناس، فيرفضون التقاعد عن ذهنية الأمر والنهي، ويحاولون إعادة إنتاج سلطتهم عبر أدوات قانونية. لكن المشكلة أن المنصب قد يرحل، بينما النقد باقٍ، والناس لا ينسون، والقلم لا يعرف معنى الإجازة.

إن تضامننا مع الدكتور الوليد مادبو ليس مجرد وقوف مع كاتب، بل هو دفاع عن حق المجتمع في نقد من تصدّروا المشهد العام. فإذا صار الدبلوماسية حصانة أبدية ضد النقد، فسنجد أنفسنا أمام “سفراء ” يوزعون صكوك إسكات الأقلام عندما تفارق هواهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!