رأي
الحلقة السابعة: نحو تشريع وطني لتجريم خطاب الكراهية – من الفوضى إلى القانون

صالح السليمي
لقد بيّنا في الحلقات الماضية حجم الضرر الذي يُحدثه خطاب الكراهية والعنصرية على النسيج الوطني والمجتمع السوداني، من خلال نموذج عبدالرحمن عمسيب، وغيره من دعاة الفتنة. لكن الضرر الأكبر يتجلّى حين يغيب الإطار القانوني الرادع، وتُترك الساحة مباحة للفتنة باسم “حرية التعبير”.
أولًا: أين يقف القانون السوداني من خطاب الكراهية؟
رغم أن بعض مواد القانون الجنائي السوداني (مثل المواد المتعلقة بالتحريض على العنف، أو إهانة المكونات الدينية والعرقية) قد تُستخدم لمحاصرة بعض أوجه الخطاب العنصري، إلا أن القانون يظل قاصرًا، وغير صريح في تعريف وتجريم خطاب الكراهية والعنصرية بشكل مباشر وواضح.
بل إن الفراغ التشريعي في هذا الباب، قد استخدمه البعض كذريعة لمواصلة التحريض، ما دام النص القانوني لا يطالهم تحديدًا. وهنا تظهر الحاجة الملحة لتعديل القانون الجنائي، أو إصدار قانون خاص بمكافحة خطاب الكراهية والتطرف العنصري، مستندًا إلى المبادئ التالية:
ثانيًا: مقترحات تشريعية لمحاصرة العنصرية قانونيًا
1.تعريف واضح لخطاب الكراهية:
يجب أن يُعرّف القانون خطاب الكراهية بأنه:
“كل قول أو فعل أو تعبير من شأنه التحريض على التمييز أو العنف أو الإقصاء تجاه فرد أو جماعة بسبب الانتماء العرقي أو الديني أو الجهوي أو اللغوي أو الثقافي أو النوعي”.
2.تجريم التحريض العنصري والتشهير بالمكونات:
•معاقبة كل من يستخدم منابر عامة أو إعلامية أو رقمية للتحريض ضد أي جماعة سودانية.
•وضع عقوبات مشددة على الشخصيات ذات التأثير الواسع (إعلاميون، دعاة، قادة رأي…) حين يستخدمون خطابًا يُعرض السلم الأهلي للخطر.
3.إدراج خطاب الكراهية ضمن الجرائم المهددة للأمن القومي:
يجب أن يُعامل خطاب الكراهية كخطر على الوحدة الوطنية والأمن القومي، تمامًا كالإرهاب والتمرد، لأنه يمهد الأرض للانقسام والاقتتال الأهلي.
4.إنشاء مفوضية وطنية لمناهضة خطاب الكراهية والعنصرية:
تُمنح هذه المفوضية سلطات الرصد، والتقصي، والتحقيق، وإحالة المتورطين إلى النيابة، مع تقديم تقارير دورية للبرلمان والرأي العام.
ثالثًا: القوانين ليست كافية… بل الإرادة السياسية
لن يكون وجود القانون كافيًا ما لم تتوافر إرادة سياسية حقيقية، ومناخ ديمقراطي راشد.
وهذا يتطلب:
•استقلال النيابة العامة والنظام القضائي.
•إشراك منظمات المجتمع المدني في مراقبة الأداء وتوثيق الانتهاكات.
•حماية الشهود والمبلغين ضد مروجي الكراهية.
كما يجب وقف الاستخدام الانتقائي للقوانين، الذي يسمح للسلطة بغض الطرف عن “الكارهين المقربين”، بينما تُلاحق الأصوات الإصلاحية بذريعة “النظام العام” أو “النوايا السيئة”.
رابعًا: السودان في مفترق طرق تشريعي وأخلاقي
إما أن نؤسس لحياة عامة تحكمها المواطنة والكرامة والعدالة، أو نسمح لمنطق الغاب أن يتسيد.
والتاريخ لن يرحم المشرّعين والسياسيين إذا ما تقاعسوا عن بناء الجدار القانوني الذي يحمي البلاد من الانهيار الأخلاقي والسياسي.
الخطاب العنصري يجب أن يُعامل قانونيًا كما تُعامل الجرائم المنظمة؛
لأن نتائجه لا تقل عن الحروب والقتل الجماعي، بل هي التمهيد الأول لها.
في الحلقة الثامنة، سنحاول تفكيك البنية السيكولوجية والاجتماعية للذات العنصرية في السودان، لفهم دوافعها العميقة: من عقد النقص والتاريخ المزيف، إلى وهم التفوق السلالي، وصولًا إلى التمكين السياسي عبر الكراهية.




