رأي

الذات العنصرية – عبدالرحمن عمسيب نموذجًا

الحلقة الثامنة: الذات العنصرية في السودان – البنية النفسية والاجتماعية والتاريخ المزيف

صالح السليمي

لقد تناولنا في الحلقات السابقة المخاطر العملية لخطاب العنصرية الذي يتبناه عبدالرحمن عمسيب ومن على شاكلته، وأوضحنا كيف يُهدد وحدة البلاد ومستقبلها السياسي. وفي هذه الحلقة، نغوص أعمق، لمحاولة تفكيك البنية النفسية والاجتماعية التي تُنتج هذه الذات العنصرية، وسياقها التاريخي المزيف الذي تستند إليه.

أولًا: الذات العنصرية كعُقدة نفسية مستترة
الذات العنصرية ليست فقط خطابًا أو موقفًا أيديولوجيًا، بل هي حالة اختلال داخلي – نفسي وسلوكي – تنبع من شعور بالدونية تجاه الآخر، يتمّ تعويضه بادعاء التفوق.
في نموذج عبدالرحمن عمسيب، يتبدى هذا واضحًا من خلال:
• لغة الخطاب المليئة بالاحتقار والسخرية من الآخر، والتي تعكس في حقيقتها خوفًا دفينًا من المساواة.
• الحاجة المستمرة لتضخيم “الذات الإثنية” وتصويرها مركزًا للفضيلة والبطولة والحق، في مقابل شيطنة باقي المكونات السودانية.
هذه إحدى سمات “العقل الخائف”، الذي يجد في إقصاء الآخر حماية لنفسه من التهديد المتخيل.

ثانيًا: الوهم العرقي ومؤامرة النقاء المزعوم
الخطاب العمسيبي ومثيلاته من العنصريين لا يستند إلى حقائق تاريخية أو اجتماعية، بل يقوم على وهم عرقي زرعته سرديات استعمارية وطائفية موروثة، تنشر فكرة أن بعض المكونات “متفوقة عرفيا” بينما غيرها “متدنية عرفيا”.
وهنا:
• يتم استدعاء أكاذيب التاريخ لخدمة تفوق عرقي لا أساس له.
• يتم توظيف النقاء الزائف كتبرير لرفض التنوع، رغم أن السودان ككل هو حصيلة آلاف السنين من التداخل والهجرات والمصاهرات.
إن هذا الوهم يمثل عدوانًا على الحقيقة قبل أن يكون عدوانًا على البشر.

ثالثًا: من المظلومية التاريخية إلى الكراهية العنيفة

في كثير من الحالات، تنشأ الذات العنصرية من مظلومية حقيقية أو متخيلة، لم يتم التعامل معها بالحكمة السياسية أو المعالجة العادلة، فتحوّلت إلى سلوك انتقامي.
لكن الكارثة أن:
• هذه المظلومية يتم توظيفها لخلق “عدو داخلي”.
• ويُعاد إنتاجها في شكل كراهية ممنهجة ضد جماعات بريئة لا علاقة لها بالماضي.
وهذا تمامًا ما فعلته الهوتو في رواندا، وهو ما يفعله اليوم دعاة الكراهية في السودان، حين يصورون مكونات بأكملها على أنها خطر دائم.

رابعًا: دور البيئة الاجتماعية في ترسيخ العنصرية
لا يمكن أن ينمو خطاب كراهية ما لم يجد بيئة حاضنة:
1. الجهل والتخلف: حيث تسود الثقافة الشفاهية، ويغيب التفكير النقدي.
2. المدارس والمناهج: التي لم تُرسخ قيم المواطنة والعدالة، بل ساهمت في إنتاج وعي إقصائي.
3. المنابر الدينية غير المسؤولة: التي توظف الدين لتكريس التقسيم والتمييز.
4. الإعلام الرخيص: الذي يروج لمنطق الشتيمة بدل التحليل، والصراخ بدل النقاش.
الذات العنصرية تُصنع بالتدريج، وتتغذى على تكرار نفس الصور النمطية والتحقيرية، حتى تُصبح معتقدًا راسخًا يصعب زحزحته.

خامسًا: تفكيك الذات العنصرية يبدأ بالمعرفة والنقد
لا سبيل لتحرير السودان من شرور العنصرية ما لم نقم بـ:
• نقد جذري للسرديات الزائفة التي تغذي وهم التفوق.
• تعزيز ثقافة التعدد والانتماء المشترك من خلال التعليم والفن والأدب.
• فتح حوار وطني صريح حول تاريخنا الجماعي، بمكاشفة لا تجامل، لكن لا تجلد أيضًا.
• تجريم خطاب الكراهية تحريم الإقصاء والكراهية وتعزيز السردية الوطنية المنتجة.
في الحلقة التاسعة، سنتناول كيف يمكن للخطاب العنصري أن يتحول إلى أداة للتمكين السياسي والاسترزاق الأيديولوجي، ولماذا يجد بعض السياسيين في بث الكراهية وسيلة للهيمنة على السلطة وليس فقط للتعبير عن رأي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!