
نجم الدين دريسة
ثمة عبارات شعبية عميقة الدلالة تتوارثها الأجيال، منها: “لا يصلح العطار ما أفسده الدهر”، أو القول المأثور: “إعادة البناء خير من الإصلاح”. هذه الحكم ليست مجرد أمثال تقال عبثاً، بل هي وصف دقيق لكل كيان تآكلت أسسه وتصدعت بنياته حتى غدا إصلاحه ضرباً من المستحيل. وما ينطبق على الأشياء والمؤسسات المتهالكة، ينطبق تماماً على الجيش السوداني”جيش ونجت”، الذي أُنشئ عام 1925 على يد الإدارة الاستعمارية البريطانية، ليكون أداة طيّعة لخدمة مصالحها وأغراضها الاستعمارية، لا مؤسسة وطنية تحمل هموم الشعب وتطلعاته.
منذ ميلاده المشوّه، افتقر هذا الجيش لأي قيم وطنية راسخة، وظلّ مجرد ذراع قمع في يد السلطة المركزية تمارس به البطش على الشعوب السودانية، وتقمع به الثورات والهبات الشعبية، وتستأصل به أي محاولة للخروج عن هيمنة المركز. وبسبب هذا النشوء المعطوب، ظل عرضة للاختراقات الخارجية والأيديولوجية، فصار في أحيان كثيرة مخلب قط للتدخلات المصرية في الشأن السوداني، ووسيلة لحماية مصالح القاهرة على حساب سيادة السودان وكرامة شعوبه.
من ينظر إلى تركيبة هذا الجيش يدرك أن مشكلته ليست في أشخاص أو سياسات آنية، بل في بنيته ذاتها، فهو جيش موروث عن المستعمر، وُلد قبل عقود من ميلاد الدولة الوطنية، وظل يعكس تناقضاتها البنيوية. قيادته لم تعكس يوماً التنوع الثقافي والعرقي والجغرافي للسودان، بل مثّلت مصالح ضيقة مرتبطة بمركز السلطة، وحافظت على امتيازات تاريخية تتعارض جذرياً مع أي مشروع تغيير حقيقي. ولهذا، فإن الحديث عن “إصلاح” جيش البازنقر ليس سوى محاولة لتجميل وجه مؤسسة عسكرية تعاني من خلل هيكلي لا علاج له، مما يجعل الإصلاح وهماً أقرب إلى استمرار الظلم والتهميش لا رفعه.
لقد تحوّل الجيش – عبر عقود – إلى ما يشبه أكبر حزب سياسي في السودان، بل وأسوأ مليشيا عسكرية عرفتها القارة الأفريقية. أجاد صناعة المليشيات وتغذيتها لضرب المجتمعات المهمشة، مفسحاً المجال للنخب المرتبطة عضوياً بمصر الرسمية لتحتكر السلطة والثروة. ومن ثمّ أصبح الجيش خصماً على الدولة الوطنية، لا سنداً لها، وبات عقبة أمام أي مشروع للتحول الديمقراطي.
لقد أكدت الثورة السودانية هذه الحقيقة حين صدحت الحناجر: “الجيش جيش الكيزان ما جيش السودان”. فكيف يُطلب من شعب أن يُصلح مؤسسة لم تكن يوماً في صفه، ولم يعرف منها إلا القمع والدمار؟
ولأن الجيش كان دائماً ضعيف المناعة أمام الاختراقات، فقد تسللت إليه جماعات الهوس الديني منذ مصالحتها مع الجنرال جعفر نميري عام 1977. لم تمض سنوات حتى تمكنت هذه القوى من السيطرة على مفاصل الجيش، وانقلبت على الحكومة الشرعية بقيادة الإمام الصادق المهدي في الثلاثين من يونيو 1989، لتدخل البلاد في ثلاثة عقود من الاستبداد والدمار. ثم عادت هذه المؤسسة ذاتها، بعد سقوط البشير، لتعصف بالثورة المجيدة بانقلاب 25 أكتوبر 2021، قبل أن تشعل حرب 15 أبريل 2023، التي ما تزال تدفع البلاد نحو الانهيار الشامل، وتغرق المواطن السوداني في دوامة من المآسي والفظائع والنزوح القسري.
الحقيقة التي لا مراء فيها أن جيش ونجت – بهذا التاريخ وهذه البنية – لم يكن يوماً جيشاً للوطن، بل جيشاً للاستعمار، ثم أداة للسلطة، وأخيراً ذراعاً للإسلاميين وللتدخلات الأجنبية. إن الحديث عن إصلاحه ليس سوى إعادة إنتاج لدوامة القمع والهيمنة، أما الخيار الحقيقي فهو بناء مؤسسة عسكرية جديدة من جذورها، مؤسسة وطنية تعبّر عن التنوع السوداني وتخدم قضاياه، لا أن تظل حارساً لمصالح الخارج على حساب الداخل.




