
مليح يعقوب حماد
تُعتبر “الذهنية الإقصائية” المعضلة البنيوية الكبرى التي تواجه الدولة السودانية؛ فهي ظاهرة تتفاوت تجلياتها بين الكيانات السياسية والعسكريّة تبعاً لدرجة وعيها وحجم مصالحها، وهي المسؤول الأول عن تآكل الإرادة الوطنية الجامعة. وبالنظر إلى تجربة “الإخوان المسلمين” في السودان، نجدها النموذج الأكثر حدة وخطورة لهذه الذهنية؛ حيث بلغت مستويات من الاحتكار السلطوي جعلت من الصعب تصور اندماجها في أي ممارسة ديمقراطية دون خضوعها لمحاسبة قانونية وعزل سياسي صارم، يضمن عدم تكرار تغولها على مفاصل الدولة.
وإذا ما تجاوزنا التفسيرات التقليدية لملابسات “ثورة ديسمبر المجيدة”، سنجد أن هذه الذهنية كانت الفاعل المستتر في تبديد زخمها. فرغم انطلاق الثورة بوعي شبابي متقد، إلا أنها ارتهنت لاحقاً لقوى حِزبية تقليدية تجيد الالتفاف على المطالب الشعبية، واختزال الحراك الثوري في صراعها الجدلي حول “هيكلية القيادة” عوضاً عن “برامج التغيير”.
لقد تجلّى ذلك بوضوح خلال الفترة الانتقالية؛ فبمجرد تقاسم المناصب الإدارية والولائية، أُقصيت القواعد الثورية عن التأثير الحقيقي، وسرعان ما دبّ الشقاق داخل “الحاضنة السياسية” حول اقتسام الامتيازات. هذا الإقصاء المتبادل خلق فجوة سياسية وأمنية، نفذ منها دعاة النظام البائد للانقضاض على المشهد، ودفع البلاد نحو حرب عبثية دمرت النسيج الاجتماعي. إن هذه الذهنية ليست حدثاً عابراً، بل هي ظاهرة “سوسيوسياسية” يمكن تفكيكها عبر المحاور الآتية:
1. إرث الاستحواذ الشامل:
تأسست الدولة السودانية الحديثة على نموذج يمنح الامتيازات لمركز جغرافي أو أيديولوجي محدد، مما رسّخ ثقافة سياسية ترى في “الآخر” خطراً وجودياً يجب سحقه، لا منافساً يجب احترامه. وبذلك تحول العمل العام من “بحث عن تسويات وطنية” إلى “معارك كسر عظم” صفرية لا تقبل القسمة على اثنين.
2. متلازمة الضحية والجلاد:
يعاني الفاعل السياسي السوداني من “تبادل الأدوار”؛ فالمعارض الذي يرفع شعارات الحرية والعدالة، غالباً ما يتبنى أدوات التهميش والقمع بمجرد وصوله لسدة الحكم، متدثراً بعباءة “الذرائعية” لحماية الثورة أو الدين. هذا السلوك يعكس غياب المؤسسية والارتهان للولاءات الضيقة على حساب المبادئ الدستورية الكلية.
3. غياب “المركز الأخلاقي” والانتقائية المعيارية:
تفتقر الساحة السياسية لميثاق يحدد “الحرمات الوطنية” العابرة للتحزبات. يسود الصمت المطبق حين تُنتهك حقوق الخصوم، بينما يرتفع الضجيج فقط حين يقع الظلم على الحليف. يتجلى ذلك في مواقف بعض التكتلات الحالية ككتلة “صمود”، التي تقع في فخ الذهنية الإقصائية حين تغض الطرف عن انتهاكات المؤسسة العسكرية في مناطق كدارفور وكردفان، بينما يشتد خطابها الحقوقي عند وقوع انتهاكات مماثلة في مناطق نفوذها الاجتماعي. هذا التوظيف السياسي للانتهاكات يهدف بالأساس لشيطنة المنافسين وتخوينهم، مما يكرس استقطاباً حاداً يحول الحوار الوطني إلى ضرب من الخيانة.
معضلة الوعي: لماذا تصطدم الثورة بالمتاريس؟
يكمن التشخيص الجوهري للأزمة في الفجوة العميقة بين “الكتلة الحرجة” الواعية وبين “الأدوات السياسية” القاصرة، وذلك عبر مستويين:
الوعي الأفقي مقابل التنظيم الرأسي: يمتلك الجيل الحالي وعياً حقوقياً متقدماً وتنظيماً أفقياً مرناً (كاللجان المدنية ولجان المقاومة والقوى الشعبية المناهضة للحرب)، لكنه يواجه معضلة في بلورة “قيادة مركزية” تمتلك الحنكة الكافية للمناورة السياسية واتخاذ القرارات المصيرية.
أزمة الثقة وفخ التخوين: تسيطر ثقافة “التخوين” داخل المعسكر الواحد، مما يدفع الكفاءات الوطنية للانزواء خوفاً من الاغتيال المعنوي، تاركين الساحة للمغامرين وأصحاب الأجندات الضيقة.
خارطة الطريق: من الإقصاء إلى الدولة التعددية
إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يستوجب “مراجعة ثقافية” شاملة، تتجاوز استبدال الوجوه إلى تغيير جذري في السلوك السياسي، وفق المسارات التالية:
المسار القيمي: صياغة ميثاق لـ “الحرمات الوطنية” يُجرّم استخدام أجهزة الدولة لتصفية الحسابات السياسية، والعمل على “أنسنة الخصم” لتحويل الصراع من صراع وجودي إلى تنافس برامجي.
المسار التنظيمي: الانتقال من “منطق الرفض” إلى “منطق البناء”؛ عبر تحويل الأجسام الثورية إلى كيانات مؤسسية قادرة على صياغة البدائل السياسية والاقتصادية.
المسار الهيكلي: تحرير موسسات الدولة من قيود الأدلجة لتصبح ملكاً للشعب قاطبة، مع اعتماد نظام “عدالة انتقالية” يكشف الحقائق ويرد المظالم، بعيداً عن منطق التشفي.
الخلاصة:
إن الوعي وحده لا يبني دولة، و تحويل هذا الوعي إلى فعل مؤسسي يتجاوز “الأنا” الحزبية والجهوية هو السبيل الوحيد لكسر المتاريس وبناء سودان يسع الجميع، ويحول التنوع من سبب للنزاع إلى مصدر للقوة والنمو.




