رأي

تعقيب على صحيفة (التنوير)

د. محمد محمد الأمين

د. محمد محمد الأمين

نشرت صحيفة التنوير الإلكترونية (الناطقة عن تحالف تأسيس) تقريرا حول دعوة الأستاذ محمود محمد طه، وصفته بأنه (استقصائي محمود محمد طه المفكر، المنهج والإرث).. والتقرير نثر كثيرا من المعلومات الصحيحة حول شخصية الأستاذ محمود وتجربته الروحية لكنه افتقر إلى الدقة العلمية عندما اتجه ليسلط الضوء على المبادئ والأفكار، بل شوه أفكار الأستاذ محمود الأساسية أيما تشويه، بأن نسب إليه عكس ما يقول، وهو يظن أنه أحسن صنعا..

فقد ورد في تقريره بالنص إن الأستاذ محمود أكد (بطلان الحدود) وهذا عكس الحق، فالحدود قائمة في الفكرة الجمهورية وقد وردت في جميع كتب الأستاذ محمود الأساسية، بلا استثناء، فهي ثابتة في الرسالة الثانية كما هي في الرسالة الآولى، ولا يمسها التطوير إلا في إطار قاعدة درء الحدود بالشبهات باستصحاب ما استجد في العلم الحديث!!

هذا النص مأخوذ من (ديباجة الدستور) بقلم الأستاذ محمود يعطي تفصيلا وافيا لكل الجوانب المتعلقة بالحدود والقصاص روحا وشكلا :

(ولقد جاء التعليم، وجاءت شريعة العبادة، وجاءت شريعة المعاملة، في القرآن، جاءت لتروض الشهوة حتى تسير في مراقي الإنسان، وتتجافي عن دركات الحيوان، قال تعالى: ((أتل ما أوحى إليك من الكتاب، وأقم الصلاة‏.‏‏. إن الصلاة تنهي عن الفحشاء، والمنكر، ولذكر الله أكبر‏.‏‏. والله يعلم ما تصنعون‏..‏))‏.‏‏. والفحشاء هنا تعني الزنا‏.‏‏. والمنكر يعني كل ما ينكره الشرع، ومن أعلاه القذف – قذف الآخرين بالزنا – ومن أعلى المنكر أيضا السرقة، وقطع الطريق‏.‏‏. من انتفع بصلاته امتنع عن الفحشاء، والمنكر‏.‏‏. ومن لم ينتفع تعرض للحدود‏.‏‏.

وحد الزنا للمحصن الرجم بالحجارة على رأسه حتى يتهشم‏.‏‏. وللبكر الجلد مائة جلدة.. وحد السرقة اختلاسا، وخفية، قطع اليد اليمنى.. أما حد الحرابة، وهي الخروج على الحاكم، وقطع الطريق، وإخافة السابلة في الطريق العام، خارج المدينة، وقتل النفوس، وأخذ الأموال، فهو درجات: فإن أخاف الطريق، وقتل، ولم يأخذ المال، يقتل‏.‏‏. وإن أخاف الطريق، وقتل، وأخذ المال، يصلب‏.‏‏. وإن أخاف الطريق، ولم يقتل، ولكنه أخذ المال، يقطع من خلاف – اليد اليمنى والرجل اليسرى‏.‏‏. وإن أخاف الطريق، ولم يقتل، ولم يأخذ المال، ينفى من أرض وطنه، لمدة يقررها القانون‏.‏‏. ‏ولقد تبدو، لأول وهلة، هذه العقوبات قاسية، وعنيفة، ولكنها ليست كذلك، في حقيقة الأمر، وإنما هي حكيمة، كل الحكمة، حيث وفقت، توفيقا تاما، بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة، وحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة‏.‏‏. ويجب أن يكون مفهوما بأن هذه الحدود لا تطبق إلا من أجل إصلاح الفرد، في المكان الأول، ثم إصلاح المجتمع في المكان الثاني، وذلك لأن، في الإسلام، الفرد هو محط نظر الله إلى الوجود – الفرد هو الغاية، وكل شيء عداه هو وسيلته لتكميل نفسه، وتطويرها، وترقيتها في المراقي لتلاقي الله‏.‏‏.) انتهى

 

لم تذكر الصحيفة كاتب التقرير، لكن لاحظت أنه لم يوثق لأي معلومة من مراجع الفكرة الجمهورية، تعين القارئ على التقصي والتثبت حتى لا يقع مثل هذا التشويه المنكر.. وقد يكون الكاتب في عقله اعتراض على الحدود كالعديد من المثقفين العلمانيين، لكن الحدود لها من الحرمة عند الأستاذ محمود ما يجعل الاستخفاف بها جريمة شنيعة في حق الإسلام حتى إن الأستاذ محمود قال في كتاب الشيعة: (إن إنكار البهائية للحدود يجعلها لا علاقة لها بالإسلام) ..

نكتفي بهذه الإضاءة للتصحيح حول مسألة الحدود..

 

وهذا تشويه آخر لأفكار الأستاذ محمود حول دعوته للصلاة.. فقد قال الكاتب:

من الانتقادات للأستاذ محمود في إنكاره لما علم من الدين بالضرورة، رؤيته للصلاة من أنها ليست دائمة بل مؤقتة، وتسقط عن المسلم عند ارتقائه إلى مرحلة الإيمان وتتحول إلى مجرد مناجاة!!

هذا قول لم يرد عن الأستاذ محمود قط!!

لقد كتب الأستاذ محمود العديد من الكتب تشرح موضوع الصلاة وكمثال: رسالة الصلاة، وتعلموا كيف تصلون.. فهذا الكاتب يكتب من خياله العلماني المريض، ويرسل كتابته دون أدنى احترام للداعية الذي يكتب عنه، ويبدو إنه يعتبر هذا الداعية مجرد مادة لإثراء الصحيفة وإلا كيف نفسر هذا التأليف النقيض لأقوال الأستاذ محمود عن الصلاة الذي نسجه، ثم نسبه للأستاذ محمود وكأنه مأخوذ من كتبه!!

 

الصلاة عند الأستاذ محمود لا تسقط إطلاقا، فهي عمل تعبدي به يتحقق الحضور مع الله فيترقى العابد من صلاة المعراج المعروفة في شريعة الجماعة إلى صلاته الخاصة في شريعته الفردية، فالصلاة لا تسقط عن عاقل، وإنما يتطور العابد من صلاة المعراج إلى صلاة الصلة الفردية فالصلاة إذن قائمة في الحالتين باختلاف في التحقيق.. وقد وردت الإشارة إلى صلاة المعراج في الحديث النبوي: (الصلاة معراج العبد إلى ربه) ، وكذلك وردت الإشارة إلى صلاة الصلة في الحديث: (الصلاة صلة بين العبد وربه)

ََويمكن الرجوع إلى الكتابين لمعرفة كيف تكون صلاة المعراج التي ترقي السالك نحو صلاة الصلة..

وأحب أن أذكر الكاتب المحترم بأن يدعم كتابته بنصوص المؤلف من كتبه ويكتب أسماء تلك المراجع.. فهذه المبادئ ليست دراسات أكاديمية وإنما هي تلقى روحي لعلم جديد من الله دفع الأستاذ محمود دمه في سبيلها، فمن حقه عليك أيها الكاتب العزيز قليل من الإنصاف!!

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!