
إيمان التجاني
“ما من حربٍ تبدأ باسم الشرف إلا وانتهت بانكسارٍ في ضمير الإنسان.”
في السودان، صارت الحرب كأنها صوتٌ واحد يعلو فوق كل الأصوات، ضجيجٌ لا يُميّز فيه المرء بين البطل والضحية.
يُرفع شعار “الكرامة” في وجه الجميع، لكنه يتحول في كل مرة إلى عباءةٍ تغطي الفوضى والدمار.
من المفارقة أن الذين أشعلوا هذه الحرب تحت لافتة “الدفاع عن الكرامة”، هم أنفسهم الذين أهدروا كرامة الإنسان السوداني حين جعلوه وقودًا لمعركةٍ لا يفهم أهدافها، سوى أنها حربٌ تُبقي على امتيازاتهم القديمة وتُعيدهم إلى سدة الحكم من بوابة الموت.
لقد أدمنت جماعات الإسلام السياسي توظيف الدين والعاطفة الوطنية في صناعة الحرب، فحيثما ارتفعت شعارات “العزة” و“السيادة”، تُخفى تحتها رغبةٌ عميقة في السلطة والهيمنة.
تاريخهم المليء بالقمع والتزييف يفضحهم، فقد كانت حروبهم دومًا ضد الشعب لا من أجله.
اليوم، يتحدثون عن “الكرامة”، لكن أي كرامةٍ تُبنى على أطلال المدن، وجثث الأطفال، وملايين النازحين الذين يفترشون العراء؟
“الذين يزرعون الجهل، لا يجنون سوى العنف؛ ومن يربّون الناس على الخوف، لا يحصدون إلا الطغيان.”
الوعي السوداني اليوم أمام امتحانٍ عسير.
الخطاب الدعائي لجماعات الإسلاميين استطاع، عبر سنوات، أن يخلط بين الإيمان والانقياد، وبين الوطنية والطاعة العمياء.
صار الشعب يُقاد بخطابات الخوف، حتى بات يرى في الحرب خلاصًا، وفي السلام مؤامرة، وفي العقل ترفًا لا طائل منه.
لكن هذا الوعي بدأ يتصدع أمام حقائق الواقع التي لا يمكن إنكارها: أن من أشعلوا الحرب لا يريدون نهايتها، لأن نهايتها تعني سقوطهم الكامل.
إن الكرامة التي يتحدثون عنها لا وجود لها في الميادين، بل هي تُغتال كل يوم في صمت الجوعى والمشرّدين والمكلومين.
لقد آن الأوان أن يُعاد تعريف الكرامة في معناها الإنساني لا السياسي — الكرامة في أن نحفظ دم الإنسان، لا أن نُبرر سفكه، أن نحترم اختلافنا بدل أن نُحاربه، وأن نبني وطنًا تسوده العدالة لا الولاءات الضيقة.
فلا يمكن لشعبٍ يبحث عن كرامته أن يضعها في يد تجار الدم والشعارات.
اليوم، على السودانيين أن يختاروا بين صوت الحرب وصوت الوطن.
فالحرب مهما تجمّلت بشعارات البطولة تبقى موتًا مؤجلًا، والوطن مهما جُرح يظل حياةً تستحق أن تُنقذ.
حين يصمت سماسرة الدم، ويتحدث الضمير الجمعي للسودانيين، ستولد الكرامة الحقيقية التي لا تُكتب بالسلاح، بل تُبنى بالعقل .




