
نجم الدين دريسة
للدكتور مارتن لوثر كينغ، أيقونة النضال ضد التفرقة العنصرية في الولايات المتحدة، مقولات راسخة ظل صداها يتجاوز حدود الزمان والمكان. ومن أشهرها قوله: «أسوأ مكان في الجحيم محجوز لهؤلاء الذين يظلون على الحياد في أوقات المعارك الأخلاقية العظيمة». هذه العبارة ليست مجرد حكمة أخلاقية، بل هي قاعدة إنسانية وسياسية تحاكي واقعنا السوداني اليوم، حيث لا مكان للحياد في لحظة فارقة من تاريخ الشعوب التي تنشد الخلاص من أغلال القهر والتهميش.
فالذين يتدثرون الآن بشعار “لا للحرب” كصيحة عاطفية خاوية من المضمون، إنما يتخذون موقفًا مشلولًا لا يضيف شيئًا لمستقبل السودان ولا لمعاناة شعوبه، بل هو أقرب إلى الاصطفاف في صف الجلاد من حيث لا يشعرون. فالسودان، منذ أكثر من سبعة عقود، يرزح تحت نير دولة أوليغارشية مركزية خانقة، تبدلت وجوه أنظمتها لكن لم تتغير بنيتها العميقة، إذ ظلت أدوات القهر والبطش والاحتكار قائمة، تحصد أرواح شعوب الهامش وتفرض عليهم الفقر والحرمان. وهنا نستعيد مقولة أخرى لمارتن لوثر كينغ: «لا ينبغي أن نكتفي بالرفض السلبي للحرب، بل يجب أن نؤكد بإيجابية على قيمة السلام». فالسلام ليس شعارًا بل مشروعًا سياسيًا واجتماعيًا يعالج جذور الصراع لا مظاهره.
الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن حروب السودان وتعقيداتها المتجددة ليست وليدة صدفة أو خلافات عابرة، بل هي نتاج ظلم تاريخي ممنهج، مارسته النخب المركزية المتعاقبة بمشاريعها الأحادية، التي تبنتها قوى سياسية وطائفية وعقائدية ويسارية تقليدية، لبست قناع “الحداثة” لكنها ظلت أسيرة الدولة القديمة وأدواتها. هذه القوى اليوم، بوقوفها في مربع الحياد أو بمواقفها المائعة، لا تخدم سوى إعادة إنتاج نفس الفشل النخبوي، بل تضع العراقيل أمام أي تغيير جذري حقيقي تتطلع إليه جماهير الهامش، التي عانت الويلات من عسف السلطة.
إن دولة ما بعد الاستعمار في السودان لم تكن دولة كل السودانيين، بل دولة أقليات اختطفت مؤسسات الحكم والعسكر لصالحها. الجيش الذي نشأ قبل ميلاد الدولة بثلاثة عقود لم يُبنَ كحارس للوطن، بل كأداة احتكار للعنف المنظم ضد شعوب الهامش. ومعه احتُكرت السلطة والثروة والقرار السياسي، وأقصيت أغلبيات واسعة على أسس إثنية وثقافية ضيقة، فكان أن انفجرت صراعات الهوية والسلطة والثروة، وتكرست التبعية للمصالح المصرية على حساب السيادة الوطنية.
ولذلك فإن موقف بعض القوى المدنية التي تساوي بين “سلطة بورتسودان” الفاقدة للشرعية وبين “تحالف السودان التأسيسي” يُعد تجنيًا خطيرًا. فالأول سلطة متداعية لا تمتلك سندًا شعبيًا ولا مشروعًا وطنيًا، بينما الثاني قام على وثائق دستورية رصينة شاركت في صياغتها قوى سياسية واجتماعية عريضة، أكدت على بناء دولة علمانية فدرالية، قادرة على إنهاء الظلم التاريخي وبناء سودان جديد يقوم على المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية.
إن جماهير الهامش – من الأرياف والبوادي والقرى النائية – التي دفعت أثمانًا باهظة من التهميش لعقود طويلة، لم تنتفض عبثًا، بل لتضع حدًا للقمع والاستلاب، ولتنفتح على آفاق الحرية والسلام والعدالة. هذه الجماهير تحمل مشروعًا للتحرر والكرامة، مشروعًا يريد سودانًا للعيش الكريم، بعيدًا عن سلاسل الماضي وأمراضه.
لقد آن الأوان أن ندرك أن الحياد ليس خيارًا، وأن “لا للحرب” ليست كلمة تقال في فراغ، بل مسؤولية كبرى تستدعي الانحياز إلى معركة التغيير الجذري وبناء سودان جديد، يليق بدماء الشهداء وتضحيات المهمشين وتطلعات الأجيال القادمة.




