
عبد الرحمن ابورندة
في مدينة مليط شمال دارفور ارتكب طيران جيش الحركة الاسلامية جريمة مكتملة الاركان حين استهدف قافلة مساعدات انسانية كانت موجهة للمدنيين المحتاجين. ما جرى هناك لم يكن حادثا عرضيا ولا خطأ عسكريا بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من سياسات التركيع عبر التجويع التي استخدمها الطغاة عبر التاريخ وطبقها الاسلامويون في السودان بابشع صورها.
التجويع.. سلاح الطغاة في الحكم
لم يكن التجويع ابدا مجرد اثر جانبي للفساد بل سياسة اصيلة عند كل الطغاة لاخضاع شعوبهم. فمن يمنع الخبز يسيطر على القرار ومن يحاصر المساعدات يقتل الارادة قبل الجسد.
وفي السودان تجلت هذه السياسة منذ عهد الاسلامويين حين استلهموا تجربة القذافي في اللجان الشعبية واحكموا بها قبضتهم على الغذاء والدواء والعمل. ثم طوروها لاحقا الى منظومة فساد شاملة: سرقة وقود الامم المتحدة ونهب مواد الاغاثة والان القصف المباشر لقوافل المساعدات.
من اللجان الشعبية الى قصف المساعدات
على مدى عقود ظل الاسلامويون يحولون لقمة العيش الى اداة ابتزاز سياسي. فمن توزيع السكر والزيت عبر الولاء الحزبي الى تدمير الاقتصاد عمدا لافقار الناس وصولا الى استهداف قافلة مليط نجد خيطا واحدا يربط بين كل تلك الجرائم: اخضاع الشعب عبر تجويعه.
مليط.. جريمة حرب مكتملة الاركان
استهداف قافلة مساعدات انسانية ليس مجرد عمل عسكري بل جريمة حرب صريحة وفق القانون الدولي الانساني واتفاقيات جنيف. هي جريمة ضد الابرياء اولا وضد انسانية العالم كله. فالقصف لم يكن ضد جيش معاد بل ضد نساء واطفال كانوا ينتظرون دقيقا ودواء.
مليط ليست استثناء: مقارنات مع حروب حديثة
ما جرى في مليط يضع الاسلامويين في صف واحد مع الطغاة في حروب حديثة:
في اوكرانيا حين قصفت القوات الروسية المخابز والقوافل الانسانية اعتبر ذلك جريمة حرب.
في سوريا قصف قوافل الامم المتحدة في حلب 2016 احدث ضجة دولية وادانته الامم المتحدة بشدة.
في غزة منع المساعدات او استهدافها اعتبر جريمة ضد الانسانية.
فلماذا يدان ذلك في اوكرانيا وسوريا وغزة بينما يترك الشعب السوداني يواجه القصف والتجويع بلا محاسبة؟
نمط حياة.. بين الشمال والغرب
في الشمال، امرأة سودانية تقف في صف الخبز ساعات طويلة، لكنها في النهاية تعود إلى بيتها بربطة خبز أو بضع لترات من الوقود، بعد أن دفعت ثمنها بمالها أو بولائها السياسي.
أما في الغرب، امرأة دارفورية لم تمنح حتى هذا الخيار. هي لا تقف في صف، بل تنتظر قافلة إغاثة تأتي من مئات الكيلومترات. وعندما تقترب القافلة من مدينتها، يقصفها الطيران قبل أن تصل. النتيجة أن أطفالها لا يجدون لا خبزا ولا دواء، بل رمادا ودخانا.
والأخطر أن هذا الواقع لم يبدأ اليوم. ففي كثير من مناطق دارفور يعيش الناس نفس المأساة منذ عام 2004، حين تحولت المخيمات إلى بديل للحياة الطبيعية، وأصبح انتظار قافلة الإغاثة هو الحد الفاصل بين الحياة والموت. وما يحدث الآن في مليط يثبت أن الحركة الاسلامية لم تتخل عن أدواتها القديمة: التجويع كسلاح، والقصف كعقيدة.
لماذا تقصف المساعدات الانسانية في دارفور وحدها؟
السؤال الذي يجب ان يطرح بجرأة: لماذا تستهدف القوافل الانسانية فقط في دارفور؟
الجواب لا يحتاج كثير تفكير: لان الاسلامويين رسخوا منذ البداية نظرة عنصرية تجاه اهل الاقليم وتعاملوا معهم كمواطنين من درجة ثانية.
ففي الخرطوم كانوا يوزعون الخبز والوقود عبر الولاء السياسي اما في دارفور فلم يترددوا في قصف القوافل ذاتها. هذه ليست مجرد جريمة حرب بل تاكيد على ان الحركة الاسلامية استخدمت دارفور كمسرح دائم لجرائمها لانها تعرف ان المجتمع الدولي يغض الطرف ولانها تراهن على صمت الداخل.
عداء الاسلامويين للشعب
الحادثة تكشف حقيقة قديمة: الاسلامويون لم يعادوا خصومهم السياسيين فقط بل عادوا الشعب السوداني نفسه. رأوا في المدني الاعزل خطرا اكبر من اي جيش لانه حامل شرارة الثورة. لذلك استخدموا سلاح التجويع والقصف معا لكسر ارادة الناس ومنع مسار الديمقراطية.
خاتمة
قصف مليط يلخص عقيدة الطغاة: اخضاع الشعب بالتجويع وارهابه بالقصف. ما حدث هناك ليس حادثة عابرة بل رسالة واضحة بان الحركة الاسلامية تواصل حربها ضد الشعب. لكن هذه الجريمة نفسها يجب ان تتحول الى اداة في يد السودانيين لفضحهم امام العالم والمطالبة بالعدالة تماما كما حدث في اوكرانيا وسوريا وغزة. ان ما جرى في مليط يستدعي تحقيقا دوليا عاجلا وضغطا شعبيا متواصلا، لان الصمت يعني تكرار نفس المأساة الى ما لا نهاية.




