
نجم الدين دريسة
الأفكار التي تُستَخدم لتبرير السلطة لا تحمي الإيمان… بل تحرق الأوطان
لم يكن القرار الدولي بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان تنظيماً إرهابياً مجرد خطوة قانونية في دفاتر المؤسسات الغربية، بل كان لحظة سياسية كاشفة، أشبه بمرآة كبيرة وُضعت فجأة أمام تاريخ طويل من الالتباس بين الدين والسلطة. ففي لحظات كهذه تتضح الأشياء التي ظلت لسنوات تختبئ خلف الشعارات، ويتكشف الفرق بين الخطاب الأخلاقي والممارسة السياسية.
لقد عاش السودان عقوداً طويلة تحت ظل تجربة سياسية قامت على توظيف الدين في إدارة الدولة. وكانت النتيجة أن تحولت العقيدة، التي يفترض أن تكون مصدر قيم روحية وإنسانية، إلى أداة للصراع السياسي وتبرير الهيمنة على السلطة. ومع مرور الوقت لم يعد الدين إطاراً جامعاً للمجتمع، بل أصبح ساحة تنافس بين مشاريع أيديولوجية تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة.
القرار الدولي الأخير لا يمكن فهمه بمعزل عن هذا السياق التاريخي. فهو ليس مجرد توصيف قانوني لتنظيم بعينه، بل تعبير عن تحوّل في نظرة المجتمع الدولي إلى الحركات التي تمزج بين التنظيم العقائدي والعمل السياسي والعسكري. فحين تتحول الفكرة الدينية إلى بنية تنظيمية مغلقة تمتلك أذرعاً أمنية وشبكات مالية وقدرة على التعبئة العقائدية، فإنها تتجاوز حدود العمل السياسي الطبيعي لتدخل في منطقة الخطر التي تهدد استقرار الدول والمجتمعات.
لكن الخطأ الأكبر يكمن في الاعتقاد بأن المشكلة تنتهي بمجرد تصنيف تنظيم أو فرض عقوبات عليه. فالتاريخ يعلمنا أن التنظيمات يمكن أن تتغير أسماؤها أو تعيد تشكيل نفسها وفق الظروف. أما الفكرة التي أنجبتها، إذا لم تُفكك نقدياً وسياسياً، فإنها قادرة دائماً على العودة في صورة جديدة.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية. فالأزمة التي عاشها السودان لم تكن في وجود تنظيم سياسي بعينه فقط، بل في البيئة الفكرية والسياسية التي سمحت باستخدام الدين كوسيلة للوصول إلى السلطة. وعندما يتحول الدين إلى أداة في الصراع السياسي، يصبح المجتمع كله عرضة للاستقطاب الحاد، وتتحول الخلافات السياسية إلى معارك وجودية يختلط فيها المقدس بالسياسي.
إن الدول الحديثة لا تُبنى على احتكار تفسير العقيدة، بل على مبدأ بسيط وعميق في الوقت نفسه: حياد الدولة تجاه معتقدات مواطنيها. فالدولة التي تقف على مسافة واحدة من الجميع تستطيع أن تحمي الإيمان بدل أن تستغله، وأن تحمي السياسة بدل أن تحوّلها إلى ساحة صراع عقائدي.
من هنا فإن اللحظة الراهنة ليست مجرد لحظة فرح سياسي أو انتصار رمزي، بل فرصة تاريخية للتفكير في جذور الأزمة السودانية. فالمعركة الحقيقية ليست معركة تنظيمات، بل معركة أفكار. وهي معركة تتعلق بكيفية بناء دولة تقوم على المواطنة والعدالة وسيادة القانون، لا على احتكار الحقيقة الدينية أو توظيفها في الصراع على السلطة.
إن الأوطان لا تنهار بسبب خصومها فقط، بل بسبب الأفكار التي تُدار بها. وإذا كان الماضي قد كشف مخاطر تسييس الدين، فإن المستقبل لن يُكتب إلا بجرأة فكرية تعيد وضع الحدود الواضحة بين الإيمان بوصفه قيمة روحية سامية، وبين السلطة بوصفها عقداً سياسياً بين المواطنين.
وحين يدرك المجتمع هذه الحقيقة، يصبح الطريق نحو السلام والاستقرار أكثر وضوحاً، وتصبح الدولة قادرة على أن تكون بيتاً للجميع، لا ساحة صراع باسم السماء.



