رأي

تحالف التأسيس بين رفض النخب وعطب الدولة المركزية: قراءة في جدلية المشهد السوداني

نجم الدين دريسة

تتبدّى في المشهد السوداني الراهن حالة من الرفض غير المبرَّر الذي تبديه غالبية النخب تجاه تحالف التأسيس. والمفارقة التي تثير الدهشة أنّ هذه النخب تتعامل مع هذا التحالف على قدم المساواة مع ما يُعرف بـ”جماعة بورتسودان”، وهي جماعة اشتهرت بعدائها السافر للشعوب السودانية، وبتناقضها مع كل ما يتصل ببناء السلام والتحول المدني الديمقراطي، إضافة إلى تبنيها منطلقات أيديولوجية لا تنسجم البتة مع فكرة الدولة الوطنية الحديثة. إنّ جماعة بورتسودان، بمكوناتها وتحالفاتها، لا يمكن وصفها سوى بـ”عصابة سياسية” تمثل تحالف قوى الردة، جماعات الهوس الديني، وكتائبها الإرهابية، وبقايا الجيش الاستعماري القديم، وحركات الارتزاق المسلّح، إلى جانب المنتفعين من امتيازات “دولة 56” المرتهنة لإرادة الجارة مصر، الدولة التي ظلّت تمثل العدو التاريخي واللدود للسودان.

الأدهى من ذلك أنّ هذه النخب السودانية تفتقر إلى رؤية سياسية متماسكة يمكن أن تسهم في إخراج البلاد من أزمتها المستحكمة، إذ ظلت حبيسة سرديات تجاوزها الزمن، وتفسيرات خاصة مشوبة بالذاتية، ووصفات عتيقة جرّبت مرارًا في الحالة السودانية، وكانت حصيلتها إعادة إنتاج الفشل وإدمانه. بل إنّ هذه النخب لا تزال تراهن على استنجاد المجتمع الدولي كخيار مركزي لحل الأزمة، وهو تفكير يستبطن ذهنية استعمارية قديمة، ويفترض أنّ الحلول يمكن أن تُفرض من الخارج، بينما دور الأسرة الدولية يجب أن يكون مكمّلًا وداعمًا للجهود الوطنية، لا بديلاً عنها. والأسوأ أنّ القوى الدولية نفسها كثيرًا ما تعاملت مع الأزمة السودانية وفق فرضيات ناقصة أو مشوّهة، مما عمّق الأزمة بدل أن يسهم في حلها.

ومن هذا المنطلق يصبح رفض هذه النخب لتحالف التأسيس موقفًا عاجزًا وغير مبرَّر، إلا إذا كان تعبيرًا عن خوف من ضياع امتيازاتها التاريخية أو حفاظًا على مصالحها المرتبطة ببنية الدولة المركزية القابضة التي يجب تفكيكها لصالح مشروع الدولة السودانية الحديثة.

لقد نجح تحالف السودان التأسيسي في إحداث اختراق تاريخي داخل المشهد السياسي، كونه استطاع أن يصوغ أوسع تحالف سياسي-اجتماعي منذ نشوء الدولة السودانية الحديثة. هذا التحالف لم يكتفِ بجمع أصحاب المصلحة الحقيقيين، بل ذهب إلى ما هو أعمق، إلى مخاطبة الجذور التاريخية للأزمة السودانية، وطرح رؤى وطنية واضحة عبر وثائق دستورية وسياسية أرست إطارًا نظريًا ومفاهيميًا لدولة علمانية فدرالية. هذه الدولة المقترحة مؤهلة للتعامل مع التعدد الإثني والتنوع الثقافي بما يحول دون الانزلاق في صراعات الهوية والحروب الأهلية، ويضمن إنهاء التهميش والظلم التاريخي، ويوجّه موارد البلاد نحو رفاه الشعوب السودانية، وبناء عدالة اجتماعية حقيقية تقوم على تكافؤ الفرص، بعيدًا عن إرث دولة ما بعد الاستعمار التي أهدرت الإنسان وبدّدت الثروات.

إنّ رفض النخب لتحالف التأسيس يعكس في جوهره خللًا بنيويًا في أجهزتها المفاهيمية، حيث تظل أنماط تفكيرها محكومة بمناهج وأدوات الدولة المركزية، تلك التي صنعت نخبًا مرتبطة بالامتيازات أكثر من ارتباطها بقضايا الشعب. ولذا، فإنّ أي محاولة لفهم هذا الرفض خارج إطار “أزمة العقل النخبوي” لن تفضي إلا إلى التباس جديد يزيد المشهد السوداني تعقيدًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!