
نجم الدين دريسة
الأوطان لا تُبنى بالغلبة، بل بالعدالة التي تُقنع الجميع بالبقاء فيها
لم يعد خطاب الكراهية في السودان مجرد ظاهرة عابرة أو انفعال موسمي تفرضه ظروف الحرب، بل تحوّل إلى بنية فكرية مقلقة تتسلل بهدوء إلى مفاصل المجتمع، وتعيد تشكيل وعيه على أسس مشروخة، تهدد ما تبقى من تماسكه. فمع تصاعد النزاع وتعقّد المشهد السياسي، برزت لغة الإقصاء والتصنيف والتمييز، لا باعتبارها أدوات تعبير، بل كوسائل تعبئة وتحريض، تُستخدم لتأجيج الصراعات وإعادة إنتاج الانقسام الاجتماعي بصورة أكثر حدّة وخطورة.
إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه لا يكتفي بوصف الواقع، بل يسهم في صناعته. فهو يعيد تعريف الآخر بوصفه خصمًا وجوديًا، ويزرع الشك في مفهوم المواطنة ذاته، ويحوّل التنوع – الذي يُفترض أن يكون مصدر قوة – إلى ذريعة للتناحر والتفكك. وهنا تتجلى الأزمة الحقيقية: ليس في الاختلاف، بل في إدارة هذا الاختلاف بعقلية إقصائية تستبطن تفوقًا وهميًا، وتستند إلى موروثات اجتماعية سالبة عمّقت الفجوة بين مكونات المجتمع.
لقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مركزيًا في تسريع انتشار هذا الخطاب، حيث تحولت إلى منصات مفتوحة لإعادة إنتاج الكراهية وتضخيمها، بعيدًا عن أي ضوابط أخلاقية أو مهنية. ولم تعد هذه الوسائل مجرد أدوات تواصل، بل أصبحت ساحات صراع رمزي تُدار فيها المعارك بالصور والكلمات، وتُصنع فيها سرديات متناقضة تُغذّي الانقسام وتُضعف فرص التلاقي.
ومنذ اندلاع الحرب، تصاعد هذا الخطاب بشكل لافت، مدفوعًا بحالة الاستقطاب الحاد، وبمحاولات بعض القوى توظيف الهوية كأداة سياسية لإعادة التموضع أو فرض السيطرة. فبدلًا من البحث عن مخارج للأزمة، انخرطت أطراف في إنتاج خطاب تعبوي قائم على التخوين والتجريد من الانتماء، بل وبلغ الأمر حدّ استخدام توصيفات عنصرية صريحة، تُقصي فئات كاملة من دائرة الوطنية، وتُعيد إنتاج منطق “نحن” و”هم” في أبشع صوره.
إن هذا المسار لا يؤدي إلا إلى مزيد من التشظي، ويقوّض أي إمكانية لبناء مشروع وطني جامع. فالدولة التي تُبنى على الإقصاء، لا يمكن أن تستقر، والمجتمع الذي يُدار بالكراهية، لا يمكن أن يتماسك. ولذلك، فإن مواجهة هذا الخطاب لم تعد خيارًا، بل ضرورة وجودية تفرضها طبيعة المرحلة وخطورة المآلات.
غير أن هذه المواجهة لا يمكن أن تكون سطحية أو موسمية، بل يجب أن تنطلق من مراجعة عميقة للبنية الفكرية التي أنتجت هذا الخطاب. فالعنصرية في السودان ليست طارئة، بل هي امتداد لتاريخ طويل من التفاوتات غير العادلة، ومن سياسات مركزية كرّست الامتيازات لفئات محددة على حساب أخرى، وأنتجت شعورًا متراكمًا بالغبن والتهميش. وقد آن الأوان للاعتراف بهذه الحقيقة، لا لتكريسها، بل لمعالجتها ضمن مشروع وطني جديد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة الملحّة إلى عقد اجتماعي جديد، لا يقوم على المحاصصة أو التوازنات الهشة، بل على مبدأ المواطنة المتساوية كأساس للحقوق والواجبات. عقد يعترف بالتنوع، لا كعبء، بل كقيمة مضافة، ويؤسس لإدارة هذا التنوع عبر مؤسسات عادلة وقوانين منصفة، تضمن مشاركة الجميع دون تمييز أو إقصاء.
إن إعادة صياغة الدولة السودانية على هذا الأساس تتطلب شجاعة سياسية وفكرية، تتجاوز الحسابات الضيقة، وتفتح المجال لحوار وطني شامل، يشارك فيه كل أصحاب المصلحة، دون استثناء. حوار لا يُدار بمنطق الغلبة، بل بروح التوافق، ولا يُبنى على الإنكار، بل على الاعتراف، ولا ينتهي بتسويات مؤقتة، بل يؤسس لمسار مستدام من العدالة والاستقرار.
كما أن بناء هذا العقد الجديد يستدعي إصلاحًا عميقًا في المنظومة التعليمية والإعلامية، بحيث تُصبح أدوات لنشر ثقافة التسامح وقبول الآخر، بدلًا من إعادة إنتاج الصور النمطية والانقسامات. فالمعركة الحقيقية ليست فقط في ميدان السياسة، بل في ميدان الوعي، حيث تُصاغ القيم وتُبنى التصورات.
ولا يمكن إغفال دور النخب في هذا السياق، إذ تقع عليها مسؤولية تاريخية في كبح جماح هذا الخطاب، وتقديم بدائل عقلانية تُعيد توجيه النقاش العام نحو القضايا الجوهرية. فالصمت أمام الكراهية تواطؤ، والتبرير لها خيانة لفكرة الوطن، والانخراط فيها انتحار جماعي لمستقبل الأجيال.
إن ما حدث في بعض المناطق من توترات ذات طابع اجتماعي، وما صاحبها من خطابات إقصائية، يكشف بوضوح عن عمق الأزمة، ويؤكد أن إعادة تعريف المواطنة لم تعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة عملية. فالمواطنة لا تُقاس بالتشابه في الشكل أو الثقافة، بل بالانتماء القانوني والالتزام المشترك بقيم الدولة.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح التوافق على دستور يعكس هذه القيم أمرًا حتميًا. دستور يُكرّس مبدأ المواطنة كأساس للحقوق، ويضمن الحريات، ويمنع التمييز، ويؤسس لدولة القانون. دستور لا يُكتب لإرضاء طرف، بل لحماية الجميع، ولا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالتراضي.
إن السودان اليوم يقف عند مفترق طرق: إما أن ينزلق أكثر نحو هاوية الانقسام، أو أن يختار طريقًا جديدًا نحو التماسك والعدالة. والطريق الثاني، رغم صعوبته، هو الوحيد القادر على إنقاذ ما تبقى من هذا الوطن.
فلا مستقبل لدولة تُدار بالكراهية، ولا أمل لمجتمع يُبنى على الإقصاء. وحده التوافق، القائم على الاعتراف بالتنوع واحترامه، يمكن أن يؤسس لسودان جديد، يتسع للجميع، ويمنح كل مواطن فيه الحق في أن يكون جزءًا من الحلم، لا ضحية له.
وفي نهاية المطاف، فإن معركة السودان الحقيقية ليست فقط مع الحرب، بل مع ما تخلّفه من أفكار. فإذا انتصرنا على الكراهية، انتصرنا للوطن. وإذا خسرنا هذه المعركة، فلن تنفعنا أي انتصارات أخرى.




