رأي

التكفير بين النص والعقل: من صفاء الوحي إلى تعقيدات التراث

ثروت الخرباوي

حين نرجع إلى القرآن الكريم، ونقرأ آياته فى صفائها الأول، نكاد نلمس أن معنى الكفر كان بسيطاً، محدوداً، لا غموض فيه ولا التواء، فالكفر فى جوهره ستر للحق أو إنكار لنعمة، وهو مأخوذ من الجذر اللغوى الذى يدل على التغطية والإخفاء. وقد قال الله تعالى: «يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ».

هذا المعنى القرآنى الأصيل يشير إلى حالة نفسية ومعرفية محدّدة، هى معرفة الحق ثم إنكاره، أو إدراك النعمة ثم جحودها. إنه ليس مجرد عدم معرفة أو جهل، بل هو موقف واعٍ من الرفض عما يُعلم أنه حق أو خير.

ولكن هذا المعنى لم يثبت على بساطته وصفائه الأول، وإنما أخذ مع الزمن يتشعّب ويتعقّد، حتى غدا شيئاً آخر مُغايراً لأصله. فأصبح أداة يستعين بها الناس فى صراعهم، أكثر مما يستضيئون بها فى فهمهم وبيانهم، وتحول من مفهوم روحى ومعرفى إلى مصطلح سياسى واجتماعى يُستخدم فى الصراع مع الآخرين.

وهنا يثور السؤال الجوهرى: أفى النصوص وقع هذا التحول؟ أم فى العقول التى قرأتها وشرحتها؟

الإجابة لا لبس فيها، فالقرآن محفوظ بحفظ الله، كلماته كما نزلت، وحروفه كما تُليت على مسامع الصحابة الأولين. وإنما الذى تغيّر هو العقول والأفهام، تلك العقول التى لم تكن معزولة عن بيئاتها، بل كانت فى تفاعل دائم مع سياقات تاريخية وسياسية واجتماعية متشابكة، فألقت على النصوص أفهاماً مختلفة، وأعادت قراءتها فى ضوء ما استجد من مصالح، وصراعات وسلطات.

وهكذا نشأت معانٍ لم تكن فى البدايات، وأضيفت تعريفات وتفسيرات لم يقل بها الوحى، لا صراحة ولا ضمناً، بل استولدتها الحاجة الإنسانية إلى تبرير حتمية الصراع مع أصحاب أفهام أخرى.

من هنا نفهم أن الاختلاف بين التفسير الأول والتفسير اللاحق ليس اختلافاً فى النص ذاته، بل هو اختلاف فى زاوية النظر، وفى خلفية الفقيه النفسية والثقافية. وهذا هو الفارق بين الوحى الذى لا يتبدّل، والإنسان الذى لا يكف عن التبدّل والتحول.
ولكن العدل هو الذى يضبط المعنى، فالعدل فى القرآن ليس قيداً على الإنسان، بل هو أهم مفاتيح المعنى نفسه. فكل نص لا يُقرأ فى ضوء العدل يتحول إلى كلام مُبهم، وكل حياة تُبنى على الظلم تفقد منطقها الداخلى. ولذلك جاء الأمر الإلهى بالعدل كأصل كونى لا يزول: «وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً»، فالصدق يحفظ للنص معناه، والعدل يحفظ للوجود توازنه. وعلى النقيض، الكفر لا يُنكر فقط، بل يُنكر وهو مستيقن بالحق الذى ينكره، لأنه سترٌ لكل وضوح، وتعمية لكل نور.

فمثلاً نجد أن المنطق التراثى الذى وصلنا يخالف مفاهيم العدل، إذ يقولون إن من سمع بالإسلام ولم يبحث فيه فهو كافر. لكن السؤال هنا: ما الذى يُلزم غير المسلم بالبحث أصلاً فى دين لا يؤمن به؟ إن الإسلام لا يكلّف إلا من اعتنقه، أما من لم يعتنقه فهو مدعوّ لا مكلّف، والقرآن واضح فى هذا حين قال: «لَا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَىِّ». وهذه حقيقة أساسية كثيراً ما ضاعت فى الجدل، بينما هى لبّ العدل الإلهى نفسه. ولكن القرآن وضع معياراً أوضح: هو العلم. من علم بالحق ثم جحده فقد ظلم نفسه، ومن لم يأته العلم أصلاً فكيف يحاسب على ما لم يُعط؟ يقول تعالى: «وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا». ويقول أيضاً: «لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا». والوسع هنا ليس مجرد الطاقة الجسدية، بل قدرة العقل على أن يحيط بالعلم إذا جاءه. وما غاب عن العقل والوجدان لا يُحاسَب عليه إنسان.

بهذا الفهم يمكن أن نعيد النظر فى التصنيفات القديمة، فهناك المؤمنون الذين عرفوا الحق فاتبعوه، وهناك الغافلون الذين لم يعرفوا الحق فلم يتبعوه، كما وصف الله قوم محمد قبل الرسالة: «لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ». وهناك الكافرون الذين عرفوا الحق فجحدوه، كما فى قوله: «ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ». الفارق جوهرى بين من جهل فلم يهتدِ، وبين من علم ثم حجب الحق عن نفسه وعن الآخرين.

وعندما نقرأ قصص الأنبياء ندرك أن أقوامهم كانوا فى مقام الشهود. الآيات والمعجزات عُرضت عليهم مباشرة، فمن آمن بها فهو مؤمن، ومن جحدها رغم يقينه بها فهو الكافر بمعناه الأصيل. أما الأجيال التى جاءت بعدهم فكانت فى مقام الغيبة. بلغتهم أخبار، فآمن بعضهم بالاتباع، وجحد آخرون، لكن هناك من لم يصل الحق إلى عقولهم ووجدانهم، وهؤلاء لا يصح أن نضعهم فى خانة الكافرين.

إن الرجوع إلى النبع الصافى للوحى، والتحرّر من …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!