
مجدي محمد مصطفى
كان شعار الثورة الفرنسية، خصوصا الثوار “أمباقة ”
إشنقوا آخر نخبوي بإمعاء آخر كوز.
لكن بسبب الإنحراف الثوري نتج عن الثورة الفرنسية ما يعرف بعصر الإرهاب، الذي ادي في نهاية المطاف إلى اعتلاء العسكري نابليون بونابرت سده الحكم، ليستمر حكم الفرد و الإقطاع.
قبل ما نتكلم عن كيفية تلافى نتائج الثورة الفرنسية، و الثورات التي انتهب الى واقع أسواء من ما كان عليه الوضع قبل الثورة.
أو كيف لتجربة تأسيس السودان الجديد ان تتخطى الحواجز و العقبات، لتجنب الفشل و السقوط كما سقط الذين من قبلهم،
او كيفية استصحاب ما حدث في جنوب السودان ،
و انتكاسة الحركة الشعبية، صحابة الكعب الأعلى من فكرة السودان الجديد.
او ماذا يمكن أن تقدم تأسيس لجنوب السودان و الحركة الشعبية، لمساعدتها في أحياء حلم السودان الجديد،
كدا خلونا اول نفهم اهم دروس الثورة الفرنسية ، أ و ماذا حدث بالضبط.
من بين كل الثورات التي شهدها العالم، تظل الثورة الفرنسية 1789 – 1799 هي المثال الأبرز على المقولة الشهيرة: “الثورة تأكل بنيها”.
العبارة دي ما جات من فراغ زي ما ذكرنا، بل كانت ثمرة تجربة دامية، مليئة بالتخوين، والشك، والانقسامات التي أضعفت الثورة من الداخل، وساعدت خصومها من الخارج على استعادة نفوذهم و قوتهم.
كيف بدأ التخوين؟
في بدايات الثورة، كان الهدف واضح، إسقاط النظام الملكي المطلق، وإنهاء امتيازات النبلاء ورجال الكنيسة، وبناء مجتمع جديد يقوم على الحرية والمساواة.
لكن مع سقوط الباستيل وإعدام الملك لويس السادس عشر لاحقاً، انفتحت أبواب الخوف والريبة.
و باب الطمع و الحسد و الغل من جديد.
الخوف من المؤامرات الداخلية كان لان فرنسا كانت محاطة بملوك أوروبا المرتعبين من انتقال شرارة الثورة إلى بلدانهم. فبدأت تروج إشاعات عن مؤامرات بين الملكيين والطبقة الأرستقراطية “الفلول” داخل فرنسا مع جيوش من الخارج.
و أي شخص عنده صلة قديمة بالنبلاء أو الكنيسة أصبح موضع شك.
تماما كما يروج البلابسة اليوم عن علاقاتهم مع السعودية و قطر و مصر و تركيا ، و و يروحوا لذلك عبر نشاطهم المحموم في تلك الدول بغرض التشويش و الايحاء بأن تلك الدول تدعمهم او ربما تتدخل عسكريا لنجدتهم.
او كنا يعمل الفلول على التشكيك في الأشاوس و الداعمين ، لذر بذرة الشك بينهم ،
المشكلة الثانية ، الانقسام بين الثوار أنفسهم
الثوار ما كانوا كتلة واحدة. انقسموا إلى تيارات، الجيروندان (المعتدلين) ديل عاوزين ثورة أقل دموية،
واليعاقبة (المتشددين) او أمباقة، بقيادة روبسبيير، الذين آمنوا إن بقاء الثورة يحتاج إلى “الرعب الثوري” كوسيلة لضبط الداخل. كل تيار بقى يشوف الآخر خائن للثورة، وأداة في يد أعدائها.
لكن لماذا تحول الشك إلى سلاح سياسي؟
لأن الخوف أصبح وقود السياسة.
و بدل التناصح و الحوار ، الخوف عم الجميع ، و من لم يبالغ في “نقاء” ولائه للثورة يتحول الى مشبوه.
ومع تصاعد الحرب ضد النمسا و روسيا، صار الخطاب العام“ من ليس معنا فهو ضدنا”.
و بكدا تحولت المحاكم الثورية إلى مقصلة جماعية، لتصفية الحسابات الشخصية الضيقة.
تم إعدام الجيروندان بتهمة التخاذل والتآمر مع الأعداء.
هيبّوليت كارنو، ودانتون، وحتى بيير فيرنيود ، و هو واحد من أبرز قادة الثورة ومؤرخها، وقف في المحكمة واتهم بالخيانة قبل أن يذهب للمقصلة عام 1793.
هل استفادت نخب الدولة القديمة من ذلك الإنحراف الثوري؟ نعم استفادت.
و هنا تظهر المفارقة الكبرى
بينما كان الثوار يفتكون ببعضهم البعض،
جلس كثير من رموز الدولة القديمة (النبلاء والملكيين ورجال الكنيسة) يراقبون المشهد من بعيد، بعضهم استغل حالة الخوف و الشك، و تحالف سرّاً مع أطراف داخل الثورة لتأجيج الخلافات، و إضعاف الثورة من الداخل.
بتصفية قياداتها المتنوعة، ضاعت البوصلة.
لم يعد هناك مجال للنقاش أو التعدد، بل صوت واحد هو صوت “لجنة السلامة العامة” و روبسبيير.
هذا جعل الثورة تنغلق على ذاتها وتفقد القدرة على تقديم حلول عملية لأزمات الجوع والاقتصاد.
إعادة تلميع البديل القديم
مع تصاعد الإرهاب الثوري، و انتشار الخوف، بدأ كثير من الفرنسيين العاديين يتساءلون: هل كنا أفضل في ظل الملكية؟ هذا الحنين ساعد النخب القديمة على إعادة ترويج نفسها كخيار أقل دموية وفوضوية.
التمهيد لصعود نابليون
حينما أُطيح بروبسبيير نفسه عام 1794، كانت الثورة قد أنهكت نفسها بالصراعات الداخلية. هذا الانهاك هو الذي فتح الباب لشخصية عسكرية قوية مثل نابليون بونابرت الذي تسلم السلطة باسم “إنقاذ فرنسا من الفوضى”. وهكذا انتهت الثورة التي رفعت شعار الحرية والمساواة إلى حكم إمبراطوري جديد.
المستفاد!
مقولة “الثورات تأكل بنيها” هي ليست مجرد جملة درامية.
لكن الثورة الفرنسية أوضحت كيف يمكن للخوف والريبة و الشك، و الانفراد بالقرار أن يفتحان الباب للتخوين.
وكيف يتحول “النقاء الثوري” المزعوم، إلى سيف يقطع رؤوس أصحابه قبل خصومه.
وفي النهاية، المستفيد الأكبر لم يكن الشعب البسيط، ولا حتى كثير من الثوار، بل بقايا الدولة القديمة، والنخب التي عرفت كيف تركب موجة الانقسامات وتنتظر اللحظة المناسبة للعودة.
الثورة الفرنسية تركت لنا درس مؤلم مفاده،
الثورة لا تنهزم دائماً أمام أعدائها من الخارج،
بل تنهزم حينما يلتهمها الشك من الداخل.
قادة تحالف تأسيس و المفكرين و أصحاب الرأي في السودانالجديد، يقع عليهم واجب قانوني و أخلاقي في إدراك تلك التحديات، و دراستها، و الإستعداد لتلافي الوقوع في ذات المنخفض. و يقع عليهم واجب اخلاقي و قانوني في التعامل مع ذلك بالجدية و المسئولية المطلوبة.
تماما كما يقع عليهم واجب دراسه انتكاسة مشروع السودان الجديد في جنوب السودان من جوانبه كافه.
و العمل بصدق و تجرد و “جماعية” على تأسيس السودان الجديد على أسس و قواعد سليمة.
خصوصا اننا في عصر العولمة و الوعي و المعلومة ، فما يتوفر أمام قادة تأسيس من وسائل التواصل و المعرفه، لم يتوفر لنخب الثورة الفرنسية او اي ثورة أخرى في التاريخ.
نحن نعيش عصر النور و الانفتاح و المعرفه
فهل يكون ذلك سببا في نجاح ثورتنا و بناء السودان الجديد، و تصحيح انتكاسات تجربة السودان الجديد في جنوب السودان السابق؟
هذا ما ستكشفه الأيام
مجدي محمد مصطفى ماكن
28/8/2025 بريطانيا




