

*منذ اندلاع الحرب في أبريل ٢٠٢٣، غرق السودان في عتمة كثيفة*. لم تعد المعركة مجرد مواجهة بين الجيش والدعم السريع، بل تحولت إلى مسرح أعقد تتقاطع فيه *العقائد والمصالح والأجندات الخفية*. المؤسسة العسكرية، التي كان يُفترض أن تكون حامي الحِمى، أصبحت *انعكاسًا لهيمنة الحركة الإسلامية التي زرعت جذورها منذ انقلاب ١٩٨٩، حتى صار الولاء للعقيدة مقدّمًا على القسم العسكري.*
هذا التحول لم يكن وليد اللحظة. فمنذ استيلاء *الإسلاميين* على السلطة، أعيدت هندسة الدولة عبر ثلاث ركائز: *أدلجة الجيش وربط الانضباط بالولاء الحزبي، عسكرة جهاز الأمن وتحويله إلى أداة عقائدية تتحكم في السياسة والاقتصاد والإعلام*، ودمج الاقتصاد بالحركة الإسلامية عبر شركات مثل *زادنا ودانفوديو وسوداتل* التي موّلت الكتائب وأحكمت قبضتها على المجتمع. وعلى هذا الأساس تشكّل جسد الدولة السودانية، فيما ظل *جهاز الأمن وكتائب الظل مركز الأعصاب الذي يوجّه المشهد حتى بعد سقوط البشير في ٢٠١٩.*
مع اندلاع *حرب أبريل* *٢٠٢٣*، عاد هذا الإرث ليطفو إلى السطح. فبينما كان الجيش يقاتل قوات الدعم السريع في *الخرطوم ودارفور وكردفان*، برزت داخله ظاهرة أشد خطورة: *تصفيات غامضة، واختفاء ضباط، ومحاولات منهجية لمحو السجلات*. لم يكن الأمر حوادث معزولة، بل أسلوبًا لإعادة صياغة الولاء في صفوف المؤسسة.
في يونيو من ذلك العام، استُدعي *الضابط فخر الدين محمد عثمان عاجب* من كادوقلي إلى الخرطوم، ليختفي بعد ثلاثة أيام في ظروف غامضة. شهادات منشقين، بينهم *العقيد عثمان جعفر بيلو*، أكدت أنه جرى تصفيته بإشراف *عناصر إسلامية داخل الجيش*. بعده ظهر اسم *إبراهيم حسين راشد*، وقد صُفّي هو الآخر، في رسالة واضحة لكل من يفكر في كسر *الطوق العقائدي.*
المشهد نفسه تكرر في الدلنج بجنوب كردفان، حين تحوّل سقوط *حامية هبيلا* في يناير ٢٠٢٤ إلى عملية *تصفيات ذات طابع إثني*، عوقب فيها الضباط على *انتماءاتهم القبلية*. وفي دارفور، اغتيل *الضابطان عبد العظيم موسى وأحمد بخيت*، بينما اكتفت البيانات الرسمية بعبارة غامضة: “*تم القضاء عليهم بأيدي الغدر*”. وحتى في بحري، في أكتوبر من العام نفسه، تحدث الأهالي عن *إعدامات ميدانية لمتطوعين اتُهموا بالتعاون مع الدعم السريع*، فيما اكتفى الجيش بالنفي.
هكذا أخذت الأحداث شكلًا متكررًا: *الجيش لا يقاتل خصومه فقط، بل يلتهم أبناءه من الداخل، ليعيد تشكيل نفسه على صورة الحركة الإسلامية.*
في هذا المناخ جاء *سفر البرهان سرًا إلى سويسرا*. لم تكن زيارة *بروتوكولية*، بل مواجهة مباشرة مع ضغوط دولية ثقيلة. تقارير دبلوماسية أشارت إلى أن وفوده *واجهت البرهان بملفات محرجة: استخدام السلاح الكيماوي في بعض الجبهات، التصفيات الداخلية، والانتهاكات ضد المدنيين في الخرطوم ودارفور وكردفان وكنابي الجزيرة، حيث وُثّقت حالات لقطع الرؤوس والتمثيل بالجثث.*
وبحسب تسريبات غير مؤكدة، كان اللقاء مع *مسعد بولص – المبعوث الأميركي، المقرّب من إدارة ترامب ووالد زوج ابنته* – من أكثر اللحظات حساسية. وُضع البرهان أمام خيارين واضحين: *إما تقديم تنازلات استراتيجية تشمل الأرض والسيادة وتخفيف قبضة الإسلاميين داخل الجيش، أو مواجهة عزلة خانقة وعقوبات قاسية*. وتحت هذه الضغوط، قدّم وعودًا بفتح التفاوض مع *السعودية* حول *ترسيم الحدود البحرية*، والتغاضي عن ملف *حلايب* لصالح *مصر*، وإبداء مرونة أمام *أطماع إقليمية في البحر الأحمر وبعض موارد السودان*.
لكن هذه التنازلات لم تُعرض *كخطة وطنية *بل كثمن شخصي للبقاء: “*اتركوا لي السلطة، وأمنحكم ما تريدون*.” وبعد عودته مباشرة أعلن *إقالات واسعة في صفوف الجيش شملت ضباطًا معروفين بانتمائهم للجبهة الإسلامية*. بدا الأمر للوهلة الأولى كأنه *قطيعة مع الكيزان،* لكنه في العمق لم يتجاوز *تبديل الوجوه مع بقاء الجوهر كما هو*.
ما يحدث اليوم ليس استثناءً، ولكنه شي من *المُكر والمراوغة المعروفة في مسار الإسلاميين*. فمنذ التسعينيات كانت هذه أساليبهم والتي من اهمها *التصفيات* وهي أداة ثابتة في ترسانتهم: في الجنوب قبل الانفصال استُبعد أو صُفّي كل ضابط يُشتبه بتعاطفه مع *الحركة الشعبية*، وفي دارفور بين ٢٠٠٢ و٢٠٠٨ أُطلقت يد *الجنجويد* *وكتائب الظل* لتصفية المعارضين، وفي *حراك ديسمبر الثوري ٢٠١٨* انسحب الإسلاميون إلى الصفوف الخلفية لكنهم حافظوا على *جهازهم العصبي المتمثل في جهاز الأمن والمخابرات*.
اليوم يتكرر السيناريو نفسه: *يُبعد بعض ضباط الصف الأول، لتتقدم الصفوف الثانية والثالثة*، والأخطر في ذلك أنهم أقل ظهورًا وأكثر قدرة على التسلل. أما *جهاز الأمن والمخابرات*، الذي نقل مقره إلى بورتسودان، فما زال يمسك بخيوط اللعبة: *تسليح عبر قنوات مع إيران وتركيا، إعلام يوجّه السردية الرسمية، تحالفات إقليمية تضمن الدعم السياسي والمالي، واختراق للسفارات والبعثات* لتأمين الغطاء الخارجي. وطالما بقي هذا الجهاز قائمًا، فإن *المشروع الإسلامي* سيظل حاضرًا ولو بأسماء جديدة.
وقد لخّص أحد الضباط المتقاعدين الوضع بقوله: “*الجيش اليوم جسد منهك، لكن الروح التي تتحكم فيه ما زالت روح الحركة الإسلامية*. تستطيع أن تغيّر الأزياء والرتب، لكنك لا تستطيع أن تقتلع *العقيدة التي زرعوها منذ ثلاثة عقود*.”
*في المشهد الحالي، يظهر البرهان كواجهة مرتبكة لمعادلة معقدة*. من جهة يقدّم التنازلات في الحدود والموارد لإرضاء القوى الدولية، ومن جهة أخرى لا يستطيع التفريط في دعم *الإسلاميين* الذين ما زالوا يمسكون بجذع السلطة عبر *جهاز الأمن وكتائب الظل*. فبدا *البرهان* كمن *يرقص على حافة بركان*: يُبعد بعض الوجوه ليتظاهر بالتطهير *وتخفيف حمولة الإسلام السياسي* عن الجيش، لكنه يترك الجذور راسخة كما هي.
الخطر أن ما يجري ليس تفكيكًا لنفوذ الإسلاميين، بل *إعادة توزيع للأقنعة على نفس الوجوه القديمة*. والسودان يقف اليوم أمام سؤال مصيري: *هل يمكن أن يُولد ميلاد جديد بلا اجتثاث لتلك الجذور العقائدية*، أم يظل البلد أسيرًا لعقود أخرى من *الدماء والهيمنة*؟
الخلاصة أن المعركة لا تتعلق بالبرهان وحده، بل بمصير الدولة نفسها. فإما أن يُقتلع الجهاز العقائدي الذي تمكن من مفاصل الدولة منذ ١٩٨٩، أو تبقى البلاد رهينة *مشروع يُبدّل الوجوه ولا يتغيّر في جوهره*. الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين الجيش والدعم السريع، بل صراع على روح السودان، *بين إمكانية بناء دولة حقيقية أو استمرار دولة تتغذى على الأقنعة المتبدلة والجذور القديمة.*




