
نجم الدين دريسة
الأنظار تترقب، والأفئدة تتوق لتشكيل حكومة السلام والوحدة التي يمكن أن نطلق عليها حكومة أهل المصلحة الحقيقيين؛ حكومة الشعوب المقهورة التي عانت من الظلم المتراكم والتهميش السياسي والاقتصادي الممنهج. حكومة تتكئ على أطياف جماهيرية عريضة ظلت على رصيف الحياة، ودَفعت أثمانًا باهظة بسبب الأنظمة المركزية القابضة والباطشة الفاقدة، التي مارست كل أشكال الظلم والانتهاكات ضد السواد الأعظم من القوميات السودانية دون أي مبرر سوى الفساد والاستبداد، مما أورث الوطن واقعًا كارثيًا قاد إلى الحقد وتفشي الكراهية والعنصرية، فحصدنا الفشل بسبب نخب تعاني من غياب الرؤية وانسداد الأفق، منزوعة القيم الأخلاقية والإنسانية.
حق للشعوب السودانية المهمشة أن تنتفض على هذا الواقع البئيس الذي صادر حقوقها في الحكم وأبعدها عن اتخاذ القرار، بل ظل ينهب فوائض قيم منتجاتها الزراعية والحيوانية ويحوّلها إلى غابات إسمنتية بالخرطوم وعواصم الدول الأخرى، فيما شعوب الهامش ترزح خلف التخلف والجهل والمرض والانشغال بالحروب الأهلية والصراعات القبلية، وأجهزة استخبارات الدولة المركزية تعمد إلى زراعة الفتن بين المكونات الاجتماعية لتنعم الأقليات بالامتيازات التاريخية، بينما شعوب الهامش تحصد البؤس وكل أشكال الشقاء والأوضاع الإنسانية الكارثية.
لم تعد سرديات الدولة المركزية ـ أو قل دولة 56 ـ تجدي فتيلاً، إن شعوبنا لن تنطلي عليها محاولات تغيير جلد الأفعى ليستمر ظلم الشعوب عبر طرائق تفكير جديدة. وأقولها صراحة: إن فزاعات الانفصال والحفاظ على الوحدة لم تعد تخيفنا، فشعوبنا قد تبددت مخاوفها منذ الخامس من أبريل حينما اصطف من كنا نظنهم دعاة وحدة وسلام وتحول ديمقراطي مع جيش ونجت باشا المختطف من قبل جماعات الهوس الديني والمخترق من قبل المخابرات المصرية تحت دعاوى ومبررات بالية ومهترئة. وقد أكدت لنا بما لا يدع مجالًا للشك أن 56 كان مسرحًا للعبث والاستهبال السياسي، وأن كل النخب، حاكمة ومعارضة، كانت تقوم بأدوار معدّة سلفًا بعناية فائقة مع سبق الإصرار والترصد. والمؤسف أنها لا تزال تمارس الأدوار الغرائبية والرغائبية، ولكن ليس في كل مرة تسلم الجرة.
حتى القوى المدنية والسياسية الأخرى الرافضة للحرب، منطلقاتها تبدو غريبة بعض الشيء؛ فهي ترفض الحرب في موقف يبدو ظاهريًا لا يخلو من حوامل موضوعية، ولكن السؤال: من الذي أشعل الحرب؟ سؤال لا يحتاج إلى إجابة، لأن الأمر واضح لكل من ألقى السمع وهو شهيد. وهنا يتولد سؤال آخر: كيف يتساوى من أشعل الحرب مع من تصدى لها؟ ومعلوم أن الحرب أُشعلت بغرض الإجهاز على الثورة الشعبية، فكيف نوازي بين صانع الحرب ومن يدافع عن الثورة الشعبية الباذخة؟ وسنمضي في باب طرح الأسئلة: بأي حق يتم اختزال قضية السودان كلها في الحديث حول طرفي الحرب، خاصة وأن هنالك عصابة في بورتسودان اختطفت السلطة بقيادة جماعة الإخوان المسلمين وجيشها وكتائبها الإرهابية، وكل قوى الردة مع تحالف تأسيس الذي ضم حركات تحرر وطني وقوى سياسية ومدنية ومجتمعية مؤمنة بالتغيير، وأرست دعائم أسس دستورية وسياسية عالجت جذور الأزمة في السودان، وظلت تؤكد على وحدة السودان شعبًا وأرضًا وتأسيس دولة على أسس جديدة وعادلة مستدامة؟ كيف نقارن بين قوتين: إحداهما تبحث عن الشرعية لاستمرار الحرب التي لا تقود إلا لمزيد من التشظي والانقسام، والثانية تؤسس لشرعية تحقق الوحدة والسلام؟ مالكم، كيف تحكمون؟




