
منال علي محمود
manal002002@gmail.com
ليست كل الحروب بنادق ودبابات. بعض الحروب تُدار بنصوص، وبجُمل قانونية قصيرة، وبمساحات غموض تُترك عمدًا بلا تعريف. في السودان، أحد أخطر هذه النصوص هو ما يُعرف بـ “قانون الوجوه الغريبة”. قانون لا يعمل كأداة تنظيم، بل كغطاء لعنف بلا سقف.
نحن لا نتعامل مع قانون بالمعنى التقليدي، بل مع عدو خفي يتم توظيفه. عدو لا يظهر في هيئة جندي، بل في صيغة “تقدير”، و”اشتباه”، و”سلوك غير مألوف”. وحين يصبح القانون هو اللغة التي تُدار بها الحرب، فإن السلاح لا يحتاج إلى تبرير أخلاقي، لأن النص قام بالمهمة.
في النظرية القانونية، تُترك بعض النصوص لتقدير القاضي. هذا مبدأ معروف في كل الأنظمة القضائية. التقدير هنا يفترض وجود قاضٍ مستقل، معايير إثبات، حق دفاع، وسياق مؤسسي يحكم القرار. لكن السؤال الجوهري الذي يتجاهله هذا القانون هو: ماذا يحدث حين يُنتزع هذا التقدير من يد القضاء ويُلقى في يد ميليشيات لا تعرف من أدوات الحكم سوى السلاح؟
هنا يتحول “التقدير” إلى عنف خالص. لا معايير، لا بينات، لا محاكمة. مجرد شكل، لهجة، سلوك، أو انتماء اجتماعي يكفي ليُصنَّف الإنسان كـ “وجه غريب”. وما إن يُلصق هذا الوصف، حتى تُعلّق عنه صفة المواطن، وتُفتح الأبواب للاعتقال، أو الطرد، أو النهب، أو القتل.
في الكنابي، لم تكن هناك مواجهة عسكرية، ولا حالة طوارئ معلنة. ما كان هناك هو سلسلة من الوشيات والتصنيفات. شخص وُصف بأنه “غريب”، ففُتح الباب لاعتقاله. أسرة وُصفت بأنها “غير معروفة”، فتم تهجيرها. وأحيانًا، حيٌّ كامل جرى تجريمه لأن لصوصًا خرجوا من داخله. لا تحقيق لتحديد المسؤولية الفردية، ولا مساءلة للجناة الحقيقيين، بل عقاب جماعي جاهز، يُمارَس باسم القانون، ويُنفَّذ بالسلاح.
هذا ليس انحرافًا سودانيًا خاصًا، ولا استثناءً تاريخيًا. هذا نموذج معروف، ومجرب، ومدمر.
في ألمانيا النازية، لم تبدأ الكارثة بمعسكرات الإبادة، بل بقوانين فضفاضة تتحدث عن “حماية الشعب والدولة”، وتمنح السلطة حق تقدير من يُعد خطرًا. الغموض القانوني لم يكن خطأً، بل كان الأداة التي سمحت بتجريد ملايين البشر من إنسانيتهم قبل أجسادهم.
في رواندا، سبقت الإبادة الجماعية قوانين وهوامش تقدير تُركت للسلطات المحلية والميليشيات لتحديد من هو “تهديد” ومن هو “غير منتمٍ”. لم يكن السلاح وحده القاتل، بل النص الذي منح القتل شرعية.
في يوغسلافيا السابقة، استخدمت قوانين الطوارئ القومية والمفاهيم الفضفاضة عن “العناصر الغريبة” لتبرير التطهير العرقي، وانتهى الأمر بدولة ممزقة ومجتمعات محطمة.
وفي سوريا، فتح قانون مكافحة الإرهاب الباب واسعًا أمام تحويل الاشتباه إلى جريمة، والمعارضة إلى خيانة، وانتهى القضاء ليصبح ظلًا للأجهزة الأمنية، لا رقيبًا عليها.
في كل هذه التجارب، لم يكن القانون أداة لمنع الحرب، بل كان وقودها. لم يحمِ الدولة، بل فككها. ولم يحفظ المجتمع، بل دفعه إلى الارتياب المتبادل والانقسام العميق.
قانون الوجوه الغريبة يقف اليوم في السودان في الموقع نفسه. نص مطاطي، تقدير خارج القضاء، تنفيذ بالسلاح. وهو بذلك لا يسند الحرب فقط، بل يديرها، ويمنحها مبرر الاستمرار. فالحرب تحتاج دائمًا إلى غطاء، وهذا القانون هو الغطاء الأخطر، لأنه يبدو قانونيًا، بينما هو في جوهره تعليق للقانون نفسه.
الحرب لا تستمر بالسلاح وحده. السلاح يقتل، لكن ما يُبقي الحرب حيّة هو النظام الذي يجعل القتل ممكنًا، ومبررًا، ومتكررًا دون مساءلة. هنا بالضبط يعمل قانون الوجوه الغريبة.
هذا القانون يسند الحرب لأنه يقدّم لها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الشرعية، والعدو المتجدد، وسهولة التنفيذ.
أولًا، يمنح الحرب شرعية زائفة. حين يُقتل شخص أو يُهجّر أو يُعتقل، لا يُقال إن ذلك تم لأن جهة مسلحة قررت، بل لأن “القانون يسمح”، أو لأن “التقدير الأمني” رأى فيه خطرًا. بهذا يتحول العنف من جريمة إلى إجراء، ومن فعل ميليشيا إلى “تطبيق قانون”.
ثانيًا، يخلق عدوًا لا ينفد. اليوم هو شخص، غدًا أسرة، بعد غد حي كامل. كلما احتاجت الحرب إلى وقود جديد، وُلد “وجه غريب” جديد. وهكذا تتحول الحرب إلى معركة عبثية ضد عدو متخيَّل لا يمكن الانتصار عليه لأنه غير محدد أصلًا.
ثالثًا، يسهّل التنفيذ بأقصى درجات القسوة وأقل درجات الكلفة. لا يحتاج القانون إلى تحقيق، ولا إلى ملف، ولا إلى قاضٍ. يكفي بلاغ، أو وشاية، أو همسة في نقطة تفتيش. “ده ما معروف”، “ده سلوكه غريب”، “ده من ناس الكنابي”. بهذه الجملة يصدر الحكم. الوشاية نفسها تصبح حكمًا نافذًا، والسلاح يتكفل بالباقي.
بهذه الطريقة، يتحول القانون إلى سلاح لمعاقبة الفقر والهامش، والانتماء الاجتماعي أو السياسي أو الأيديولوجي، وتفريغ ثارات قديمة تحت غطاء شرعي.
لكن المفارقة أن هذا القانون نفسه هو نقطة ضعف الحرب. لأنه حين يُكشف على حقيقته كأداة وشاية، يفقد قدرته على الإقناع. وحين يُسحب من يد السلاح ويُعاد إلى ميزان القانون الحقيقي، تنهار إحدى أهم آليات استمرار العنف.
تفكيك قانون الوجوه الغريبة ليس مطلبًا حقوقيًا فقط، بل خطوة سياسية مباشرة لإنهاء الحرب. لأن الحرب التي تُبنى على عدو وهمي، وتسندها الوشاية، وتسيرها نصوص غامضة، لا تصمد طويلًا حين تُسمّى بأسمائها الحقيقية.
وبموجب هذا القانون، تجد المليشيات مبررًا دائمًا للاشتغال. فوجود “الوجه الغريب” لا يعني مجرد شبهة قانونية، بل يعني مهمة جاهزة: تفتيش، احتجاز، مصادرة، أو إخلاء قسري. كل ذلك يُنفَّذ باسم القانون، بينما تُدار العملية فعليًا كاقتصاد حرب متكامل.
في المقابل، تُفرض الجبايات على المواطنين بحجة تغطية “المنصرفات الأمنية”، فيتحول الأمن من واجب سيادي إلى بند مالي، وتتحول حياة الناس إلى مورد تمويل دائم. وكل من يدخله يعلم مسبقًا أنه سيخرج مستفيدًا ماديًا، سواء عبر الغرامات، أو المصادرات، أو الإتاوات المقنّعة.
هكذا، لا نكون أمام إجراء قانوني، بل أمام تجارة حرب متكاملة الأركان، يشكّل هذا القانون سندها الأساسي، وغطاءها الشرعي، ومحركها اليومي.
من منظور القانون الدولي، فإن ما يُعرف بإجراءات “الوجوه الغريبة” يندرج ضمن أخطر أشكال التجريم الفضفاض الذي حذّرت منه منظومة حقوق الإنسان. فالقانون الدولي الإنساني، كما ورد في اتفاقيات جنيف والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يجرّم العقاب الجماعي، ويشترط تحديد المسؤولية الجنائية على أساس الفعل الفردي المجرَّم لا على أساس الهوية، أو الأصل، أو السلوك المتصوَّر، أو الاشتباه غير القائم على دليل.
ترك توصيف “الغربة” أو “السلوك الغريب” لتقدير جهة مسلحة أو مليشيا، يُعد انتهاكًا مباشرًا لمبدأ الشرعية القانونية، وخرقًا لمبدأ المحاكمة العادلة، ويفتح الباب لاستخدام الوشاية بوصفها دليل إدانة، وهو ما تحظره الأعراف القانونية الدولية.
وقد أثبتت تجارب دول عديدة أن القوانين المبنية على الاشتباه والهُوية كانت دائمًا وقودًا للحروب الأهلية. ففي رواندا، ويوغوسلافيا السابقة، وأجزاء من العراق، استُخدمت مفاهيم مشابهة لتجريم مجموعات سكانية كاملة، ما أدى إلى تفكك النسيج الاجتماعي وتحويل الدولة إلى ساحة تصفية حسابات تحت غطاء قانوني هش.
استمرار العمل بمثل هذا القانون لا يعني انتهاك حقوق الأفراد فقط، بل يعني الإبقاء على البنية القانونية التي تتغذى عليها الحرب. ونهاية هذا القانون ليست مطلبًا حقوقيًا فحسب، بل شرط جوهري لأي مسار حقيقي نحو إنهاء النزاع.
تفكيك قانون الوجوه الغريبة ليس مجرد إصلاح تشريعي، بل شرط دولي وداخلي لإنهاء الحرب نفسها. طالما بقي القانون قائمًا، ستظل المليشيات تجد شرعية لاستمرار العنف، وسيستمر المجتمع بأكمله في دائرة الاشتباه والعقاب الجماعي، ولن يبدأ السلام إلا حين يُسحب هذا الغطاء عن الحرب.




