
مصطفى عبدالسلام
حين كانت الإبادة الجماعية تُرتكب في دارفور، كان الحزب الشيوعي شريكًا لنظام الإنقاذ داخل برلمانه، مساهِمًا بصورة أو بأخرى في شرعنة وجوده. لكن المفارقة الأشد مرارة ظهرت بعد ثورة ديسمبر 2018؛ إذ تحوّل الحزب الشيوعي، الذي ظل يُقدَّم تاريخيًا كرمز للمعارضة، إلى أداة تغطي على مواقف الإسلاميين، وتتماهى في كثير من الأحيان مع خطهم السياسي.
فبدلاً من أن ينخرط في تقوية جبهة الثورة وصيانة مكتسباتها، اختار الحزب أن يزرع الانقسام وسط القوى الثورية.
فعارض خطوات الانتقال، وهاجم لجنة تفكيك التمكين التي كانت أحد أهم إنجازات الثورة، ووفّر عبر خطاباته المتشددة ذرائع مثالية لتقويض الحكومة المدنية بشعار “تسقط لما تظبط”. هذه الممارسات أضعفت الحاضنة السياسية للانتقال، ومهّدت بشكل مباشر لانقلاب 25 أكتوبر 2021، الذي كان من الأسباب الرئيسة لاندلاع الحرب الكارثية في 15 أبريل 2023.
المفارقة أن قيادة الحزب التي طالما لوّحت بفزاعة “الهبوط الناعم”، قد أسهمت عمليًا في صناعة “هبوط خشن” دموي، أحرق البلاد ومزّق نسيجها الاجتماعي والسياسي. واليوم، وبينما تشتعل نيران الحرب في كل مكان، ما زالت قيادة الحزب الشيوعي تصرف جهدها في مهاجمة القوى المدنية المعارضة للحرب، بدلاً من مواجهة القوى الفعلية التي أشعلتها وتغذيها. إن خطابه اليومي يكاد يتطابق مع خطاب بقايا نظام الإنقاذ، في الحِدة والاتهام والعداء للقوى الديمقراطية.
يبدو أن الإجابة تكمن في اختراق منظم وطويل المدى مارسته أجهزة أمن النظام البائد. فقد عملت هذه الأجهزة على زرع عناصرها في الحزب، أو التأثير المباشر على قياداته، حتى أصبح كثير من قرارات الحزب انعكاسًا لمصالح الإسلاميين أكثر مما هي انعكاس لمبادئ يسارية أو ثورية.
ومن بين الأسماء التي يُشار إليها كجزء من هذا الاختراق: صديق التوم (المقرَّب من السكرتير العام محمد مختار الخطيب)، محي الدين الجلاد، طارق عبد المجيد، الحاج حمد، محمد علي خوجلي، مجدي الجزولي، نعمات كوكو، السر بابو، من الله عبد الوهاب، قرشي عوض، علاء الدين محمود، حسن فاروق، سارة ضيف الله، كامل عبد الرحمن الشيخ، علي تروس، محي الدين خيري، آمال الزين، هنادي فضل، هند فرح، معتصم حسن شمت، خليل الزين، عادل عمرين، عبد الله عيدروس، عصام جبر الله، ناهد جبر الله، فيصل شبو، ومهيد صديق.
هذه المجموعة وغيرها ساهمت في تحويل الحزب من قوة يسارية تاريخية كان يُفترض أن تكون سندًا للثورة، إلى غطاء سياسي وواجهة جديدة للكيزان.
لقد فقد الحزب الشيوعي السوداني، بممارساته الأخيرة، كثيرًا من رصيده التاريخي ومكانته في وجدان القوى الديمقراطية. فبدلاً من أن يكون صوتًا موحدًا ضد الاستبداد والحرب، أصبح أداة لتشتيت الصف المدني وتبرير أجندة أعداء الثورة. إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الحركة الديمقراطية اليوم ليس فقط السلاح الذي يفتك بالمدن والقرى، بل أيضًا الخطاب المنحرف الذي يضلل الجماهير ويخلط الأوراق.
ولذلك، فإن استعادة مسار الثورة السودانية لن يكون ممكنًا إلا عبر جبهة مدنية واسعة، تضع الحرب والكيزان في مواجهة مباشرة، وتُقصي كل الأصوات – مهما كان غطاؤها الأيديولوجي – التي تحاول إرباك الصف الثوري أو خدمة أجندة الاستبداد من جديد.




