رأي

عن الذراع الطويلة للقمع: هل انتفت حرمة المنفى؟

دكتور الوليد آدم مادبو

لا أكتب اليوم بوصف الملاحقة حادثة، بل بوصفها نظامًا. أكتب لأن المنفى فقد حرمته. لأن اليد التي امتدت لتعذيب الأجساد في الوطن، عادت الآن لتطارد الأفكار في المهجر. لم يعد القمع فعلًا محليًا، بل صار منظومة متنقلة، تسافر بهويات مختلفة، وتتنكر في هيئة القانون. أكتب لأن الحدود لم تعد تحمي، ولأن الكلمة، وإن نجَت من عسف الجند، لا تنجو من ملاحقة العصابة (اللوحة أعلاه للفنان معتز الإمام).

على مدى أعوام، تعرضتُ أنا وغيري من قيادات المجتمع المدني الذين يقيمون في الخليج لحملات متصاعدة من المضايقات والتشهير والتحريض، قادتها وجوه متوارية خلف أقنعة الإسلام السياسي السوداني. بدأ الأمر كعداءٍ أيديولوجي، وانتهى بمحاولة منظمة للمحو—لا عبر الحوار، بل بالتهديد القانوني، بالإساءة الرقمية، وبالاغتيال المعنوي.

أنا كاتب ومثقف سوداني أمريكي، وهويتي ليست مجرّد جواز سفر مزدوج، بل التزام مزدوج: نحو الحرية، ونحو الحقيقة. كتبت ضد التطرف، ضد السلطوية المقنّعة بثياب الشريعة، ضد ميراث نظامٍ إسلاموي دمّر السودان، واغتصب الرجال، وسحق النساء باسم “قانون النظام العام”، وأباح الصمت كفضيلة، والخضوع كنجاة.

ظهرت في برامج الجزيرة العربية، والجزيرة الأنجليزية، والحرّة، وال BBC، وTRT، وغيرها، ليس دفاعًا عن نفسي، بل عن وطنٍ يجرّه الهوس إلى الهاوية. وفي منتديات فكرية أقيمت في قلب الدوحة، كان أخرها ندوة أقيمت بعنوان “الدبلوماسية الخليجية في إدارة الأزمات: حرب السودان المنسية نموذجًا” في مركز الخليج للدراسات بجامعة قطر، لم أتردد في فضح انتهازية من أعادوا تصدير خطاب الاستبداد إلى المنافي. وهنا، بدأ الاستهداف ضدي يأخذ طابعًا أكثر حدة.

لقد اختاروني تحديدًا، لا لأنني الأكثر تطرفًا في نقدهم فهنالك العديد ممّن تناولوا السفيرة صراحة وليس تلميحًا، تجريحًا وليس تقويمًا، بل لأنني لست مجهولًا. لأنني أملك اسمًا، وأكتب بحرية، وأُسهم في تشكيل الرأي العام، ولا أساوم على مواقفي. الهدف لم يكن الرد، بل المحو. لم يكن الحوار، بل الترهيب. وكما يُقال: “فالسمعة لا تُمحى بالتشويه، ولا يُطفأ النور بالنفخ”، لكنهم مع ذلك يحاولون تلطيخ سمعتي، وتمزيق صورتي، وإسكاتي عن طريق التخويف، وكأن الفكر الحر صار جريمة.

والمفارقة التي لا تقل فظاعة عن الاتهام نفسه، أنهم—وهم من دافعوا لعقود عن محاكم تفتيش عقائدية باسم الشريعة، وقمعوا النساء باسم الفضيلة، وكمموا الأفواه باسم المصلحة العامة—قد لجأوا إلى النائب العام في دولة غير دولتهم، يطالبون “بالعدالة” ضد مقال فكري. هم من كان يجب أن يخجلوا من استدعاء القضاء لمحاكمة القلم، لا أنا. يا للعجب، فالعدالة التي تُطلب من أبواب النيابات اليوم ليست لمن تلطخت أيديهم بالحرب والخراب، بل لمن حاول النجاة بالكلمة من تحت الأنقاض.

مقال “قرناص: عار الدولة ولذة الطاعة”. مقالٌ يتأمل، من موقع الفكر لا الغضب، كيف تُستخدم المخيّلة الإسلاموية لقمع النساء، وسحق الحريات باسم الطهر. يتضمّن نقدًا مشروعًا لشخصية عامة، هي زوجة ثالثة لرجلٍ نافذ، قيادي في شبكة إرهابية ساهمت بوضوح في إشعال الحرب الأهلية، وارتكاب فظائع بحق المدنيين.

ليس المقال شخصيًا، ولا هو افتراء. إنه مقاومة فكرية تُجرّم، لا لعيبٍ فيها، بل لأن الفكر الحر صار خطرًا عابرًا للحدود. نحن أمام وجه جديد للقمع: نُسِف الجسد في الوطن ونُزّحت الملايين، فيُلاحَق العقل في المنفى وتنصب الموازين.

رغم كل ما واجهت، امتنعت طويلًا عن اللجوء إلى المنظمات الدولية. لا لأنني لا أؤمن بها، بل احترامًا للدولة التي استضافتني، وتقديرًا لحرية الكلمة بوصفها مسؤولية ذاتية قبل أن تكون حماية مؤسسية. لكن ما يحدث الآن ليس خلافًا فكريًا، بل اضطهاد أيديولوجي، لا يهدد سلامتي فقط، بل يهدد إمكان استمرار النقد كوظيفة أخلاقية في المنافي.

لقد كرّست حياتي للحوار والعدالة وحقوق الإنسان، مؤمنًا بأن الكلمة الحرة تملك من القدرة ما يعادل السلاح، ومن الشرعية ما يفوق النفوذ. إلا أنني اليوم أواجه واقعًا يُكافأ فيه الصمت، ويُعاقب فيه الفكر، ويُنظر فيه إلى النقد لا باعتباره ضرورة أخلاقية، بل تهديدًا أمنيًا. في هذا الواقع، لا مكان لحرية الفكر إلا إذا تخلّت عن صدقها، ولا مكان للمنابر إلا إن كانت مُروّضة، منقّحة، مدجّنة.

ختامًا، ما أواجهه اليوم لم يعد مسألة شخصية، بل تجسيدًا لأزمة كبرى يعيشها المنفى المعاصر، الذي يفترض أن يكون فضاءً للفكاك من الطغيان، فإذا به يتحوّل، ببطء وبخبث، إلى امتداد للمراقبة والضبط. المنفى الذي كان يُنتظر منه أن يحمي الفكر من عسف الدولة، صار في كثير من الأحيان أداة أخرى في يدها، يلاحق فيها الكاتب من عاصمةٍ إلى أخرى، لا لشيء إلا لأنه يرفض أن يكتب بتصريح، أو يصمت بأمر العصابة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!