
حين تقدّم الشيخ عبدالصمد حسين لخطبة خديجة أحمد زيدان، كانت الفجوة العمرية بينهما كافية لتثير اعتراض خالتها زمزم، التي أطلقت يومها عبارتها الحكيمة: “يا جماعة، عبدالصمد خارج من الحياة وخديجة داخلة عليها.” لم تكن تلك الجملة مجرد اعتراض عاطفي على زواج غير متكافئ، بل توصيفاً دقيقاً لتأثير العمر على نظرة الإنسان للحياة. فبينما يرى الداخلون إلى الحياة مستقبلها المليء بالفرص والاحتمالات، ينظر الخارجون منها بعين مثقلة بالخيبات أو الأحلام المؤجلة التي كثيراً ما تنزاح عن الواقع. واليوم، ونحن نقرأ الخطاب الأول لرئيس الوزراء محمد حسن التعايشي في نيالا، ونقارنه بخطاب كامل إدريس، تتجدد مقولة الخالة زمزم بقوة: التعايشي كان يتحدث بلغة الداخل إلى الحياة بكل ما تعنيه الكلمة من واقعية، بينما جاء خطاب كامل إدريس محلقاً في فضاء الخيالات الطوباوية، وكأنه خارج من الحياة أكثر مما هو داخل إليها.
في خطابه الأول، بدا محمد حسن التعايشي متصالحاً مع الواقع السوداني المعقد، واعياً بجذور الأزمة ومخاطراً بالاقتراب من الجرح النازف بلا تجميل أو مواربة. لقد تحدث الرجل بجرأة عن ضرورة إيقاف الحرب باعتبارها مدخل لأي تحول سياسي حقيقي، ثم أضاف إلى ذلك أولوية تحقيق السلام الشامل، وتثبيت الأمن، ومعالجة الأزمة الاقتصادية عبر تعزيز القدرات الوطنية وتوسيع الإنتاج. ولم يكتف التعايشي بالمسائل الكبرى، بل لامس تفاصيل الحياة اليومية للمواطن السوداني حين وضع قضايا الصحة والتعليم والكهرباء والمياه ومعاش الناس في صدارة خطابه، مؤكداً أن التنمية والخدمات ليست ترفاً بل شرطاً للاستقرار السياسي والاجتماعي. هذه اللغة العملية تكشف عن ذهنية تدرك أن التحديات جسيمة، لكنها في الوقت ذاته قابلة للإدارة إذا ما صيغت الأولويات بواقعية من هو “داخلة على الحياة”، إذ يتعامل مع المستقبل باعتباره مجالاً للعمل والإنجاز، لا مجرد حقل للأحلام والأوهام.
على الضفة الأخرى، جاء خطاب كامل إدريس الأول، وما تبعه من كلمات، محمّلاً بقدر وافر من الخيال السياسي الذي لا يسنده واقع ولا تجربة عملية. فقد بدا وكأنه يخاطب شعباً يعيش في “سويسرا”، لا على أرض أنهكتها الحروب والصراعات والفقر. يكفي أن نتذكر عبارته الشهيرة: “أم درمان اليوم أكثر أمناً من باريس”، وهي جملة صادمة تكاد تُسقط عن خطاب الرجل أي جدية. فالناس الذين يكابدون غياب الأمن والخدمات لا يمكن إقناعهم بمثل هذه العبارات التي تعكس انفصالاً عن الواقع أكثر مما تعكس ثقة أو تفاؤلاً. ولعل تعليق أحد الصحفيين العالميين كان أبلغ وصف حين قال إن كامل إدريس “يريد أن يبني سويسرا على أطلال مقديشو.” فالرجل، وهو القادم من تجربة أممية طويلة، بدا وكأنه ينسخ خطابات الأمم المتحدة المصاغة للخيال السياسي الدولي، ويلقي بها على واقع سوداني يحتاج إلى الواقعية لا الأحلام. إنه، ببساطة، عبدالصمد ذاك الزمان الذي رفضته الخالة زمزم ليتزوج بنتها.
إن الاختلاف بين خطاب التعايشي وخطاب كامل إدريس لا يمكن اختزاله في التجربة السياسية أو الخلفية الفكرية وحدها، بل يرتبط أيضاً بالبعد العمري والنفسي. فالتعايشي ينتمي إلى جيل لم يزل يتطلع إلى بناء المستقبل ويستشعر أن أمامه فسحة زمنية لتحقيق ما ينادي به، لذلك جاء خطابه نابضاً بالواقعية ومشحوناً بالحيوية. أما كامل إدريس، فقد فرض عليه العمر وطول التجربة نوعاً من الانفصال عن الممكن، فمال خطابه إلى مثالية متعالية عن شروط الواقع. وكما قالت الخالة زمزم: الداخل إلى الحياة يرى تفاصيلها اليومية بوضوح، بينما الخارج منها يجنح إلى استدعاء الصور المثالية التي قد تبدو جميلة، لكنها غير قابلة للتحقق.
هنا يلتقي المثال الشعبي مع ما تقوله نظريات علم السياسة وعلم الاجتماع السياسي. فوفقاً لمدرسة “الواقعية السياسية” (Political Realism)، فإن الخطاب السياسي الفاعل هو ذاك الذي يتأسس على إدراك موازين القوى وظروف الواقع، ويقدم حلولاً قابلة للتنفيذ، بينما تذهب “المثالية السياسية” (Political Idealism) إلى بناء رؤى حالمة قد تلهم على المدى الطويل لكنها تتهاوى أمام ضغط الأزمات اليومية. التعايشي كان أقرب إلى المدرسة الواقعية التي توازن بين الممكن والمرغوب، فيما مثّل كامل إدريس خطاباً طوباوياً أقرب إلى اليوتوبيا السياسية التي تعجز عن مخاطبة الجمهور في لحظة حرجة كالتي يمر بها السودان.
كما يربط علم النفس السياسي بين المرحلة العمرية وطبيعة الخطاب؛ فالشباب غالباً ما يكونون أكثر التصاقاً بالواقع لأنهم يعيشون تحدياته ويشعرون بأن مستقبلهم مرهون بتجاوزه، بينما تميل الأجيال الأكبر إلى التعلق بصور مثالية أو بخطابات رمزية تحاول التعويض عن خيبات الماضي. من هنا نفهم كيف أن التعايشي خاطب الناس بواقعية مباشرة تلامس تفاصيل حياتهم، بينما قدّم كامل إدريس صورة حالمة أقرب إلى استعارة بعيدة عن الوقائع.
إن قراءة الخطاب الأول لكل من التعايشي وكامل إدريس من زاوية مقولة خالة زمزم تكشف عن حقيقة بديهية: السياسة لا تحتاج إلى الخيال الطوباوي بقدر ما تحتاج إلى الواقعية. فالتحديات التي تواجه السودان اليوم تتطلب عقلاً عملياً يقبض على الأرض لا خيالاً محلّقاً في السماء. لقد قدّم التعايشي نفسه باعتباره سياسياً واقعياً ينتمي إلى جيلٍ يريد أن يصنع المستقبل، بينما ظهر كامل إدريس كمن يسعى إلى إعادة إنتاج خطاب خارج من الحياة، متخم بالأماني لكنه مفصول عن الناس وقضاياهم. وهنا يتجدد درس الخالة زمزم: في السياسة كما في الزواج، لا يستوي الداخلون إلى الحياة والخارجون منها.




