من وعي السلاح إلى وعي الوطن لماذا يرفض التأسيس العنف ويؤمن بسودانٍ واحد؟
دكتور احمد التيجاني سيد احمد

د. احمد التيجاني سيد احمد
كلُّ حربٍ في السودان تبدأ بالسلاح وتنتهي بالسؤال: من الذي أشعلها؟ ومن الذي يخاف نهايتها؟
ذلك السؤال ليس مجرد تحليلٍ سياسي، بل لحظة وعيٍ جماعي بأننا نحمل في داخلنا ميراثاً ثقيلاً من العنف، نحاول كل جيلٍ أن نتجاوزه، لكننا نعود إليه بأسماءٍ جديدة.
لقد وصلت البلاد إلى مفترقٍ تاريخيٍّ لا يمكن عبوره بالرصاص.الجيش الذي حُمل على الأكتاف ذات يومٍ باعتباره حامي الوطن، تحوّل تدريجياً إلى أداةٍ لحراسة السلطة، بينما صارت السياسة مجرّد امتدادٍ للثكنة.
في هذا السياق، لم يكن ما قاله رئيس الوزراء في حكومة التأسيس، محمد حسن التعايشي، سوى كشفٍ للجوهر: حين وصف ياسر العطا بأنه تجسيدٌ للتشوّهات التي عانت منها المؤسسة العسكرية — من الغطرسة إلى التدخل في السياسة، ومن العنف إلى انعدام القومية — لم يكن يهاجم رجلاً، بل يشخّص ذهنية دولةٍ بأكملها.
ذلك التشخيص هو ما جعل كثيرين يدركون أن هذه الحرب ليست معركةً بين جيشين، بل آخر فصول الدولة التي وُلدت عام ١٩٥٦، وأن ما يليها هو بداية مشروعٍ جديدٍ يقوم على فكرة التأسيس: أن لا جيش فوق الوطن، ولا وطن يُبنى بالسلاح.
العنف ليس طريق الخلاص
يرى تحالف التأسيس أن رفض العنف ليس ضعفًا، بل ضرورةٌ أخلاقية وتاريخية. فالسودان جُرّب فيه كل أشكال القوة القسرية: الانقلابات، الحروب، والثورات المنزوعة الوعي. والنتيجة كانت واحدة — وطنٌ ممزّق بين الخوف والانتقام.
العنف يُنتج دولةً مؤقتة، بينما الوعي يصنع دولةً دائمة. ومن هنا جاءت الفكرة التأسيسية: أن الخلاص لا يتحقق عبر فوهة البندقية، بل عبر إعادة تعريف معنى القوة نفسها — القوة في ضبط الغضب، لا في إطلاقه.
منطق الوعي الجديد
السودان الجديد، كما تراه قوى التأسيس، لن يكون دولة المنتصرين بل دولة الناجين من وهم القوة.
جيشٌ قومي واحد لا يحتكر الوطنية، ومدنيون لا يخافون من دورهم في القيادة، وعدالة لا تساوم على الحق باسم الاستقرار. إننا أمام لحظة وعيٍ نادرة، لحظةٍ تفرض علينا أن نختار بين أن نبقى أسرى البندقية، أو أن نتحرّر منها بالفكر، كما تحرّرت أممٌ أخرى من ماضيها بالصدق مع ذاتها.
نحو وطنٍ واحد
الطريق إلى السودان الموحّد يبدأ من الاعتراف: أن الوطن ليس ساحة حرب، بل مساحة وعي.
فلا شرقٌ بلا غرب، ولا شمالٌ بلا جنوب، ولا جيشٌ بلا مجتمع.
الوحدة لا تُصنع في الميادين العسكرية، بل في وعي الناس بأن اختلافهم ليس خطراً، بل نواة قوتهم.
لقد قال التعايشي ما شعر به كثيرون، لكن جوهر ما قاله يتجاوز الأشخاص: إن السودان الجديد لا يُبنى على السلاح، بل على الوعي والمسؤولية.
وذلك هو بالضبط ما يعنيه التأسيس — الانتقال من وعي السلاح إلى وعي الوطن.
د. أحمد التيجاني سيد أحمد
قيادي مؤسس في تحالف تأسيس
١٥ أكتوبر ٢٠٢٥ هلسنكي فنلندا



