
خالد كودي، بوسطن
منذ إعلان حكومة تأسيس وأداء قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان القسم /الإعلان الصادق، ضجّت الأسافير بطنين المستنقعيين؛ أسراب بعوض هائج لا يحسن غير السبّ واللعن والافتراء، يلوكون الأكاذيب كما يلوكون عجزهم التاريخي. يثرثرون كمن فقد صوابه، يلفقون ويكذبون كما يتنفسون، غير واعين أنهم لا يفضحون إلا أنفسهم، وأن كل كلمة منهم شهادة إضافية على إفلاسهم، فشلهم وعجزهم الازلي عن الفعل.
هؤلاء لا يدركون أن الحركة الشعبية، مع حلفائها، تكتب فصول التاريخ الجديدة الان، بينما هم غارقون في وحل الماضي، يحركون الطين بالعصيّ كي يوهموا أنفسهم بالحياة. قال أفلاطون منذ قرون: “لو أمطرت السماء حرية لرأيت بعض العبيد يحملون المظلات.” وهؤلاء تحديدًا، لو انهمرت الحرية طوفانًا، لشيدوا سدودًا من الجهل ليتحصنوا من بللها، لأنهم يخشون الحرية أكثر من خوفهم من الطغيان.
السودان اليوم يقف على عتبة لحظة مفصلية، غير أن المستنقعيين لا يرون منها سوى انعكاس وجوههم الشاحبة على سطح برك آسنة صنعوها بأيديهم واستمراؤا تمرغهم فيها. أما التاريخ، فقد انحاز كعادته إلى الشجعان الذين تجرؤوا على مواجهة إرث الاستغلال والامتيازات دون وجل ليغيروه. فالحركة الشعبية – شمال لم تكتفِ بهدم البنى الفاسدة التي شيدتها أنظمة الخرطوم المتعاقبة، بل ذهبت أبعد: أعادت الكرامة إلى المجتمعات التي حُوّلت طويلًا إلى وقود في حروب النخب، وعقدت معها تصالحات ناضجة فتحت أبواب سلامٍ يخص الأجيال القادمة، وهكذا توقف الحروب!
في المقابل، يظل المستنقعيون أسرى نعيقهم العقيم، عاجزين عن رؤية ما يتشكل منر سودان جديد أمام أعينهم. ذاك هو الفارق بين من يصنع التاريخ ومن يرضى بأن يكون ظلًّا باهتًا على هامشه. الكبار، أمثال مانديلا وابطال الحركة الشعبية، يفتحون دروب المستقبل من صميم الجراح، بينما الصغار لا يملكون إلا الغطس في وحلهم ثم الصراخ بأنهم يسبحون.
حكومة “تأسيس”: رعب المستنقعيين وبداية زمن جديد:
ما إن أُعلن قيام حكومة تأسيس حتى ارتجّت المستنقعات، وانطلقت أسراب البعوض السياسي تصرخ وتلعن وتكذب. هؤلاء المستنقعيون، المرتجفون من أي تغيير يهزّ عروش الفاشلين عبر تاريخ السودان، كشفوا خوفهم العميق من ولادة السودان الجديد، من أول المتواطئين علنًا مع نظام بورتسودان، إلى آخر الرافضين للعلمانية بوصفها الضمان الوحيد للمواطنة المتساوية. فجأة صاروا حماة الثورة، و الأخلاق و”الوطنية”، وكأنما لم يكونوا طيلة عقود مجرد انتهازية تقتات على دماء الآخرين.
حكّام السودان في المركز سلّموا الثورة مرارًا إلى تجّار الدم، لأن مصالحهم الخاصة لا تعلو إلا على حسابات الامتياز، ولا تعيش إلا على خيانة الأمل الجماعي/المواطنة. واليوم، وليحدث الحاضر الغائب: لقد عانت مجتمعات الهامش من حروب لا ناقة لها فيها ولا جمل، حروب بين القاتل والمقتول وكلاهما من الهامش. تلك كانت حروب الهيمنة. والتاريخ الآن يفرض علينا مسارًا آخر: التصالح، لا على قاعدة الاحتيال اوالتسوية المزيّفة، بل على قاعدة تحويل أدوات القتل إلى لبنات إعادة بناء، بما فيها الدعم السريع – من فزّاعة قتل إلى عنصر مندمج في مشروع وطني علماني ديمقراطي لا مركزي، عبر بوابة التصالحات المؤسسة علي العدالة التاريخية.
وهنا يبرز مفهوم العدالة التاريخية كما نصّ عليه ميثاق تأسيس: لا حقوق تسقط بالتقادم، ولا كبير أمام القانون، والمحاسبة لا تعرف انتقائية. هذه ليست شعارات، بل التزامٌ بأفقٍ جديد يضمن أن ما عانته الأجيال لن يُطوى تحت سجادة النسيان… وبلاش جهل من الفاشلين.
أما النخب التي يعلو طنينها هذه الأيام، فهي في جوهرها لم تكن سوى مجموعات فاشلة وعاجزة: تارة تلاطف الفاشي، وتارة تناوشه، لكنها في كل حال جزءٌ منه؛ كل واحد منهم يحمل “كوزًا صغيرًا” في مؤخرة دماغه الفارغ، كختم أصيل للولاء للخراب. وهنا تستحضرنا مقولة غرامشي: “الأزمة تكمن بالضبط في أن القديم يحتضر والجديد لا يستطيع أن يولد، وفي هذا “الفراغ يظهر التنوع الكبير من الأعراض المرضية.” وما أكثر أعراضهم المرضية: من تذاكي الجهّال إلى بلاغة الضحالة.
الطنين حول القشور والجوهر المفقود:
الفاشلون يثيرون الغبار حول القشور بخفةٍ وسطحيةٍ، لكن لا أحد منهم يجرؤ على نقاش جوهر مشروع السودان الجديد. لا أحد منهم تناول حقيقة أن أعضاء المجلس القيادي لحكومة تأسيس أدوا اليمين على القرآن والإنجيل ومعتقدات السودانيين المتعددة، الي الالتزام الانساني الأخلاقي، ولأول مرة في تاريخ السودان، جرى إعلان دستوري صادق يعترف بأن الناس أحرار، وأن لا مكان بعد اليوم للجلد والرجم أو التوقيف على الهوية.
قالت هاريت توبمان: “لقد حررتُ ألف عبد، وكان بإمكاني تحرير ألف آخرين لو كانوا يعلمون أنهم عبيد.” واليوم، كثير من نخبنا، حتى من يدّعون الحداثة والليبرالية، يتصرفون كعبيدٍ لأفكار بالية، عاجزين عن إدراك أن العلمانية هي التي ستحررهم من قيود الطائفية والدينية، وستجعل مواطنتهم ومواطنة نسائهم متساوية لأول مرة.
منظمات المرأة التي عارضت ولازالت تعارض أهم حدث في تاريخ السودان – أي علمنة الدولة – خانت نفسها قبل أن تخون قضيتها، إذ تجاهلت أن قوانين الإنقاذ الدينية هي التي قمعت المرأة باسم الشريعة: من قوانين النظام العام، إلى الجلد ، إلى ولاية الرجل، إلى حظر اللباس، إلى منع حرياتها الطبيعية.
جني ثمار حرية لم يصنعوها!
اليوم، كثير من هؤلاء المشوشين سيستفيدون من حرياتٍ لم يشاركوا في صناعتها، ولم يضحوا من أجلها، بل فُتحت لهم بدماء وعرق المهمشين وأبطال الهامش. هذا ليس استثناءً، بل هو منطق التاريخ المألوف: فالثورات الكبرى دائمًا ما يقوم بها الفقراء والمقهورون، بينما تحصد النخب المرتبكة والانانية ثمارها لاحقًا.
في السودان نفسه، كانت أكتوبر 1964 وأبريل 1985 وديسمبر 2018 نتاج قوي الثورة المسلحة، غضب العمال والطلاب والفقراء وسكان الأطراف الذين ملأوا الشوارع بمليونياتهم، لكن السلطة في النهاية ذهبت إلى أيدي النخب القديمة وأحزاب المركز. بل إن دماء شهداء دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق ظلت لعقود هي الوقود الذي أشعل خطاب الحرية والعدالة، بينما اعتلت المنابر من لم يطلق رصاصة في وجه الظلم قط.
والأمر لا يختلف كثيرًا عن تجارب أخرى في العالم: فحقوق العمال في أوروبا لم تمنحها النخب الليبرالية، بل انتُزعت بدماء الحركات العمالية التي واجهت السجون والمشانق. وحقوق السود في الولايات المتحدة لم تأتِ من كرم البيض، بل من مسيرات مارتن لوثر كينغ وصمود روزا باركس ودماء مالكوم إكس والآلاف من المجهولين. كما أن تحرر الهند لم يكن منحة من التاج البريطاني، بل حصيلة مقاومة غاندي وأجيال الفقراء الذين ملأوا السجون.
إن الحرية لا تسقط من السماء على شكل هدية، بل تُنتزع انتزاعًا. وكما قال نيلسون مانديلا: “الحرية لا تُمنح طوعًا من قبل الظالم، بل تُنتزع من قِبل المظلوم.” وما يجري في السودان اليوم هو تكرار لهذا القانون الأبدي: أبطال الهامش هم من يصنعون التغيير، فيما سيأتي المترددون والمستنقعيون لاحقًا ليقطفوا الثمار التي لم يسقوها بدمائهم.
الحركة الشعبية وثبات المبادئ:
لم تحِد الحركة الشعبية لتحرير السودان يومًا عن مبادئها؛ فمنذ طرح مشروع السودان الجديد وهي تسير بخطى ثابتة نحو المستقبل، واضعة حجر الأساس لدولة تقوم على الحرية والمواطنة المتساوية. وجاء تحالف “تأسيس” ليعبّر عن هذا المشروع في أوضح صوره: من المبادئ فوق الدستورية التي تُلزم الدولة بالاعتراف بالتعددية والحقوق غير القابلة للمصادرة، إلى طبيعة الدولة العلمانية الديمقراطية اللامركزية، التي لا تكتفي بإزالة أقنعة القديم، بل تبني نظامًا جديدًا على أنقاضه.
والحركة الشعبية ثابتة علي مبادئ العدالة التاريخية واللامركزية. وإن العدالة التاريخية – الأوسع أفقًا من العدالة الانتقالية – تعني أن الحقوق لا تسقط بالتقادم، ولا أحد فوق القانون. هي عدالة تضع نهاية لثقافة الإفلات من العقاب، وتؤسس لمستقبل يحترم ضحايا الماضي. ولأن المركز هو جذر المأساة، جاءت اللامركزية في ميثاق تأسيس لتردّ الموارد إلى أقاليمها، وتضمن لكل مجتمع الحق في إدارة ثرواته وتحديد مصيره، بعيدًا عن جشع المركز وأوهام احتكار السلطة. بهذا، لا تكون اللامركزية مجرد آلية إدارية، بل ثورة في بنية الدولة نفسها. فعم حادت الحركة الشعبية؟!!
غدًا ينطفئ الطنين:
أما طنين البعوض، فمصيره أن يُنسى غدًا، لأنه ليس سوى جعجعة خاوية. إن السودان الجديد يتخلق الآن: من نيالا، من جبال النوبة، من النيل الأزرق، ومن كل هوامش السودان التي صارت قلبه النابض. هذا تاريخ جديد، لا طاقة للمستنقعيين على احتماله، لأنهم أبناء الأمس، بينما الحركة الشعبية وأبطال الهامش هم أبناء الغد.
وكما قال الشاعر:
“يموت الذين يثرثرون على ضفاف المستنقع،
وتبقى الأنهار تجري صوب البحر”
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)




