
عماد ابكر جدو
إن قول الداعشي محمد الأمين احد قادة كتيبة البراء الداعشية السودانية في حديثٍه على أحد منابر الخرطوم، بأن المواطن السوداني هو المسؤول عن اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023، فإن المأساة لم تعد تقتصر على حربٍ مزقت الوطن، بل امتدت إلى حربٍ أخرى على الحقيقة نفسها. فحين يصبح الضحية متهمًا، ويُمنح أصحاب السلطة والسلاح براءة مجانية، فإننا لا نكون أمام خطاب ديني، بل أمام خطاب سياسي يرتدي عباءة الدين.
هنا يستحضر المرء مشروع علي شريعتي الفكري، لا باعتباره مفكرًا شيعيًا، وإنما باعتباره أحد أكثر المفكرين جرأة في نقد توظيف الدين لخدمة الاستبداد. فقد كان يرى أن الصراع الحقيقي ليس بين الإيمان والكفر، وإنما بين دينٍ يحرر الإنسان، ودينٍ يُستخدم لاستعباده؛ بين دين الأنبياء ودين الكهنة، بين الرسالة التي تنحاز إلى المظلوم، والخطاب الذي يمنح الظالم شرعية مقدسة.
ولهذا سمّى أحد أهم مشاريعه الفكرية «الدين ضد الدين». فليس كل من رفع المصحف كان حاملًا لرسالة الإسلام، وليس كل من اعتلى المنبر كان ناطقًا باسم العدالة. فكم من سلطة احتمت بالدين، وكم من استبداد احتمى بالفتوى، وكم من فساد احتمى باللحية والعمامة، بينما كانت الحقيقة تُدفن تحت أكوام الشعارات.
وكان شريعتي يكرر أن أخطر ما يصيب المجتمعات هو الاستحمار الديني؛ أي تحويل الدين من قوة توقظ العقل إلى أداة تخدره، ومن رسالة تحرر إلى وسيلة لإنتاج الطاعة العمياء. فالاستحمار لا يطلب من الناس أن يفكروا، بل يطلب منهم أن يصدقوا. ولا يطالبهم بمحاسبة الحاكم، بل بإدانة الضحية. ولا يدعوهم إلى البحث عن أسباب الكارثة، بل إلى التصفيق لمن تسبب فيها.
وهل هناك صورة أوضح للاستحمار الديني من أن يقف رجل على منبر مسجد، بعد حرب أحرقت السودان، ليقول إن المسؤول عنها هو المواطن السوداني؟
أي مواطن يقصد؟
هل الطفل الذي قُتل تحت الأنقاض؟
أم الأم التي دفنت أبناءها؟
أم الملايين الذين افترشوا مخيمات النزوح؟
أم اللاجئون الذين حملوا أوطانهم في حقائب صغيرة، وخرجوا يبحثون عن حياة لا تطاردها القذائف؟
أي منطق هذا الذي يعفي أصحاب القرار، ويحاكم من دفع الثمن؟
إن هذه الرواية ليست جديدة على التجربة السودانية. فمنذ أن رفعت الحركة الإسلامية شعارات «المشروع الحضاري»، كان الخطاب الأخلاقي يرتفع كلما اتسعت الهوة بين الشعار والواقع. رُفعت رايات الشريعة، بينما تمددت شبكات التمكين. وتحدثوا عن الزهد، بينما تراكمت الثروات. ورفعوا شعار محاربة الفساد، بينما صار الفساد، في نظر كثير من السودانيين ومن تقارير المراجعة العامة المتعاقبة، جزءًا من بنية الحكم لا مجرد حالات فردية.
لقد كان أخطر ما فعلته تلك التجربة أنها لم تكتفِ بتسييس الدولة، بل سعت إلى تديين السياسة، حتى أصبح الاعتراض على السلطة يُصوَّر أحيانًا وكأنه اعتراض على الدين نفسه. وهنا تكمن الكارثة التي حذر منها شريعتي؛ لأن السلطة حين تختبئ خلف المقدس، فإنها لا تحتمي بالقانون، بل تحتمي بضمير الناس وإيمانهم.
الدين لا يحتاج إلى من يحرسه من الشعب، وإنما يحتاج إلى من يحرسه من الذين يتاجرون باسمه. فالأنبياء لم يكونوا موظفين عند الملوك، ولم تكن رسالاتهم مكرسة لتبرئة الحكام أو اتهام المظلومين. لقد وقفوا في وجه الطغيان، ولم يقفوا على منابرهم ليقولوا للناس إنهم هم سبب مأساتهم.
إن تحميل المواطن السوداني مسؤولية الحرب ليس تحليلًا سياسيًا، بل هو إعلان إفلاس أخلاقي. لأنه ينقل المسؤولية من الذين امتلكوا السلاح والقرار إلى الذين امتلكوا فقط حق البكاء على وطنهم.
لقد سقطت مدن، وانهارت مؤسسات، وتشرد ملايين السودانيين، وضاع جيل كامل بين النزوح واللجوء. ومع ذلك، لا يزال بعض دعاة السلطة يبحثون عن متهم جديد، لأن الاعتراف بالحقيقة يعني الاعتراف بفشل المشروع الذي ظل يقدم نفسه لعقود باعتباره الممثل الحصري للدين.
لكن الحقيقة أبسط من كل خطب المنابر.
لا وطن ينهار لأن شعبه أراد الحرية.
ولا دولة تحترق لأن مواطنيها طالبوا بالكرامة.
إنما تنهار الدول عندما تتحول السياسة إلى عقيدة مغلقة، وعندما يصبح الولاء للجماعة مقدمًا على الولاء للوطن، وعندما يُستبدل صوت الضمير بصوت المصلحة، ويُستبدل الإسلام الذي جاء رحمة للعالمين بخطاب يبرر كل شيء إلا محاسبة أصحاب السلطة.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الوعاظ الذين يفتشون عن ذنب المواطن، بل يحتاج إلى شجاعة الاعتراف بأن الكارثة صُنعت بأيدي البشر، وأن أي مشروع سياسي يضع نفسه فوق النقد، أو يحتكر الحديث باسم الدين، ينتهي مهما حسنت شعاراته إلى إنتاج الاستبداد.
وسيظل الفرق قائمًا بين دينٍ جاء ليحرر الإنسان، ودينٍ يُستخدم لتحرير السلطة من المسؤولية. وبين منبرٍ يوقظ الضمير، ومنبرٍ يطالب الضحية بأن تعتذر لجلادها.




