
عانى السودان حالة من عدم الاستقرار السياسي منذ خمسينيات القرن المنصرم، بسبب غياب مشروع سياسي متفق عليه ومرضي عنه بين الشعوب السودانية، والتي ظلت، بمقتضى هذه الظروف، تقبع تحت وطأة التهميش بكل أشكاله السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فقد تحكّمت بعض النخب السياسية المرتبطة بالاستعمار في مقاليد الحياة، وأحكمت قبضتها عبر أنظمة حكم مركزية خانقة استأثرت بالسلطة والثروة، واحتكرت القرار السياسي، واستخدمت عنف الدولة بإفراط لقمع أي احتجاجات أو ثورات شعبية، كما وظّفت كل أدواتها وآلياتها بالتآمر والتواطؤ مع مصر الرسمية ضد أطياف واسعة من الشعوب السودانية المقهورة.
إزاء هذا الواقع السياسي البائس، لم تستسلم الشعوب السودانية، بل قادت نضالاً طويلاً ضد الحكومة المركزية القابضة، وسخّرت أعواماً طويلة من عمرها في المقاومة والكفاح لقهر الظلم، حتى تُوِّج ذلك بتحالف السودان التأسيسي، الذي جاء مخاطباً جذور الأزمة السياسية، ووضع تدابير استثنائية غير مألوفة من خلال إصدار تشريعات ومواثيق سياسية تبنّت مشروع الدولة على أساس نظام علماني فدرالي ديمقراطي ووحدة طوعية، وإرساء دعائم دولة العدالة الاجتماعية والمواطنة القائمة على الحقوق والواجبات التي أقرها الدستور، والتوافق على حكومة تستند إلى قواعد جماهيرية عريضة. لكنها، في المقابل، تواجه تحديات جمّة، إذ تقف على فوهات أزمات متعددة ومتطاولة ومعقدة: سياسية واجتماعية واقتصادية.
فعلاوة على اهتراء الأبنية الاجتماعية والمدنية، والانقسامات السياسية الناجمة عن الهشاشة التي تأسست عليها دولة ما بعد الاستعمار، وضعف الأجهزة المفاهيمية، وسيادة التفكير الإثني والعشائري، فإن هذه كلها عوامل تحد من قدرة الحكومة على إدارة الدولة. يضاف إلى ذلك تحديات اقتصادية تتمثل في القدرة على خلق مؤسسات ومواعين وأطر تنظيمية تدير العملية الاقتصادية وفق سياسات مالية وإدارية رشيدة، عبر الاستغلال الأمثل للموارد وتعظيم الاعتماد على الإمكانيات الذاتية، لا سيما وأن البلاد تتمدد على حزام زاخر بالموارد والثروات.
تعلّق الشعوب السودانية آمالاً كبيرة على حكومة التعايشي في توفير الاحتياجات الأساسية: الأمن، والغذاء، والدواء، والتعليم، ومساعدتهم في التخلص من كل أشكال الظلم الذي واجهوه من الحكومات المركزية السابقة، وتحقيق المساواة والعدالة، وإنصاف المظلومين وضحايا الحروب، ومحاربة الفساد السياسي والمالي والإداري، والتصدي للمحسوبية، ومناهضة العنصرية وخطاب الكراهية.
وبرغم هذه التحديات، إلا أن ردود الأفعال والمواقف التي صاحبت تشكيل الحكومة، والتأييد الجماهيري الواسع، أعطت مؤشراً إيجابياً على أن هذه الحكومة قادرة على إحداث اختراقات كبرى تمكّنها من أداء مهامها وتحقيق الأولويات التي صرّح بها السيد رئيس وزراء حكومة السلام والوحدة، الأستاذ محمد حسن التعايشي، الذي يدرك تماماً كيف يتعاطى مع هذا المشهد السياسي، ويترجم تطلعات الشعوب إلى واقع يمشي بينهم.
ختاماً، فإن خطوة رئيس الوزراء بتعيين مندوب دائم للحكومة في الأمم المتحدة تمثل نقطة جوهرية، لاسيما في مسألة التعاطي مع ملف العلاقات الخارجية، ممثلاً في الأمم المتحدة والمجتمعين الدولي والإقليمي. خاصة وأن هناك دولاً عديدة تنظر إلى تحالف السودان التأسيسي باعتباره طوق نجاة للشعوب المهمشة في السودان، وقادراً على تحقيق الاستقرار والتنمية عبر تأسيس وبناء دولة سودانية على أسس جديدة، في وقتٍ عانى فيه العالم من الأنظمة الظلامية والهوس الديني التي سامت شعوبها كل أشكال الظلم والانتهاكات، فضلاً عن تهديدها المستمر لقضايا السلم والتعاون الدوليين.




