
يبدو أن الحزب الشيوعي السوداني، وهو يدخل عقده الثامن، لم يبرأ بعد من علله البنيوية العتيقة. فمنذ أن نشأ كحركة سودانية للتحرر الوطني، ظلت لجنته المركزية حكراً على جماعتين عرقيتين بعينهما: الشايقية والنوبيين. لا غرابة إذن أن نجد الأسماء الكبيرة في تاريخه – عبد الخالق محجوب، محمد إبراهيم نقد، ومحمد مختار الخطيب – تنتمي لهذا القالب الصارم الذي أرسى تقليداً متواصلاً حتى يومنا هذا.
هذا الانغلاق لا يخفف منه بين الفينة والأخرى إلا “ترميز تضليلي” محسوب: جوزيف قرنق من الجنوب ذات مرة، وصالح محمود من دارفور في مرة أخرى، وفلان من النيل الأبيض في مناسبة ثالثة. لكن البنية الصلبة باقية كما هي، وبات من الطبيعي أن تنعكس هذه التركيبة على خطاب الحزب وممارساته.
أحدث الأمثلة جاء على لسان عضوة اللجنة المركزية هنادي فضل، حين استدعت سردية غائمة عن “جدّة منتحرة في زمن المهدية”، لتبني عليها إسقاطاً سياسياً عن حاضر الحرب. السردية لم تثر جدلاً تاريخياً بقدر ما كشفت عن عقلية استعلائية تنظر إلى ماضي البلاد وحاضره من زاوية عنصرية متوارثة. وما لبثت أن التحقت بها قيادية أخرى، إحسان فقيري، التي اشتهرت بمواقف عنصرية ضد أبناء دارفور وضد بائعات الشاي الفقيرات، وذهبت حدّ وصمهن بالعمالة!
ليس هذا حادثاً عرضياً. فقد سبق أن واجه الحزب انتقادات حادة من جماعات في شرق السودان، حين وصفت صحيفة (الميدان) – لسان حاله – سكان المنطقة بألفاظ تنضح بالتمييز. وإذا أضفنا إلى ذلك تبريراته المتكررة أو صمته المريب عن استخدام الجيش للسلاح الكيميائي، سندرك أن الخلل ليس في “زلة لسان” قيادي أو عضوة، وإنما في هيكل الحزب نفسه.
حزب يزعم الانحياز للطبقة العاملة والنساء المستضعفات، بينما يقصيهن داخل هياكله، ويحتقر فئات واسعة من المجتمع في خطابه، لا يمكن أن يكون مؤهلاً لقيادة تحرر وطني. المفارقة أن الحزب الذي استبطن هذه النزعة العنصرية ظل يرفع شعارات أممية: “يا عمال العالم اتحدوا”، بينما هو عاجز حتى عن تجاوز عتبة النهر والبحر في بنيته الداخلية.
المؤسف أن هذا الانغلاق البنيوي يُفرغ الحزب من أي إمكانية لأن يكون رافعة للتغيير. فالتنظيم الذي ما زال حبيس عقلية المركز العرقي، حتى وهو يخوض نقاش الحرب والسلام، لا يملك أن يقدم سوى خطابات ملغومة بالكراهية، تُبقيه على هامش السياسة وتجعله أقرب إلى “حزب للطاقة الشمسية”، كما يسخر بعض منتقديه.
إن الأزمة ليست في هنادي فضل وحدها، بل في تاريخ ممتد من الاستعلاء لم يفلح الزمن في تصحيح مساره.



