
منذ عقود طويلة ظلّت جدلية المركز والهامش تتردّد في خطابنا السياسي والفكري باعتبارها مفتاحاً لفهم أزمة السودان. غير أنّ المأساة لم تكن في الفكرة نفسها، بل في التفسير المغلوط والتوظيف الأيديولوجي الذي جعل منها أداة لزرع الكراهية أكثر من كونها مدخلاً للعدالة. فالمركز، في حقيقته، لم يكن يوماً جماعة إثنية أو إقليماً بعينه، بل كان سلطة سياسية غير عادلة ورثت الاستعمار وأعادت إنتاج آلياته من إقصاء وتهميش واحتكار للموارد.
الفهم المغلوط الذي بني علي الثقافه السماعيه ومقتطفات الاسافير وسطحيه المعرفه حوّل “المركز” إلى صورة كيان إثني وثقافي أحادي، فصار يُختزل في “أهل الشمال النيلي”، وكأنّ كل من ينتمي إلى هذه الرقعة الجغرافية مسؤول بالضرورة عن الإقصاء والتهميش. هذا التبسيط الخطير فتح الباب واسعاً أمام خطاب الكراهية، حيث تُوجَّه الاتهامات لا إلى الأنظمة الفاشلة بل إلى جماعات سكانية بأكملها، بما يحوّل الصراع من كونه سياسياً قابلاً للحل إلى نزاع هوياتي وجودي يزرع بذور الانقسام الدائم ويظل يدور في دائره الفشل دون ان يسلك طريق التغير نادبين الحظوظ وغاضبين علي ماهم فيه وفي انتظار التغيير دون ان يعملوا من اجله.
الخطاب الشعبوي – المتعجل والسطحي – حوّل المركز إلى صورة جغرافية وعرقية ضيقة، مختزلاً إياه في مناطقيه كانت مركز لتلك السلطه وكانت حاضنه لمراكز المعرفه للهامش. وهكذا صار ملايين البشر، ممن لا يملكون سلطة ولا ثروة، يُحمّلون وزر أنظمة الحكم المتعاقبة لمجرد أنهم وُلدوا على ضفاف النيل. هذا الفهم المغلوط لم يعالج أزمة الدولة بل صنع عدواً وهمياً، وفتح الباب واسعاً أمام خطاب الكراهية، حيث يُختزل الظلم في الجغرافيا لا في السياسات، وتُشيطن جماعات بأكملها بدل مساءلة النخب الفاشلة التي حكمت السودان شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً وقد كان لبها من ابناء الهامش والبرجوازية الصغيرة.
ومن هنا تبرز المفارقة الكبرى:
هل كان أدباء السودان الكبار – الطيب صالح، والمجذوب، وعبدالله الطيب، وعلي المك، وصلاح أحمد إبراهيم – ممثلين لذلك المركز الموهوم؟
هؤلاء الذين شكّلوا الضمير الإبداعي والمعرفي للسودان، وجعلوا من القرى والأرياف والإنسان العادي مادة للأدب والشعر والفكر؟
هل كان الطيب صالح، وهو يصرخ ساخطاً: من أين أتى هؤلاء؟، جزءاً من سلطة القهر أم شاهداً على سقوطها؟ وهل كان صلاح أحمد إبراهيم، وهو يرفع راية أفريقيا والعدالة، صوت المركز أم ضمير الوطن المنكسر؟
إنّ أعمى المقرّة – من يقرأ الجغرافيا بعين واحدة – هو من يصرّ على أن يجعل من الثقافة سلطة، ومن الأدب جريمة، ومن الانتماء الجغرافي ذنباً. هذه القراءة العمياء لا تبني وعياً وطنياً بل تزرع بذور ثأرية خطيرة. والنتيجة الحتمية أن يخرج علينا “مركز جديد”، أكثر شراسةً وجهلاً وإفلاساً من القديم، لأنه يقوم على الفراغ الفلسفي والانتقام الهوياتي لا على مشروع جامع أو عقد اجتماعي عادل.
ويبقى السؤال: هل سيتحطم السودان القديم بكليّته، تاركاً خلفه سموم جهله لتكون بذرة الفتنة في السودان الجديد؟
إنّ مشروعنا الوطني – مشروع السودان الجديد – ليس مشروعاً للفشل، لأنه يستند إلى الفكر والمعرفة، لا إلى صقع جرار الكلمات الجوفاء ولا إلى أصوات لم تُسمع. مشروعنا لن يفشل لأنه يقوم على شجاعة المراجعة، وعدالة التوزيع، ووحدة الإرادة الشعبية الحرة. ان السودان الجديد هو سودان الغد فجديد الماضي اصبح تاريخاً لن نجعله الحاضر فما زالت عجله الزمن تدور.
* عضو مؤسس في تحالف تاسيس
وعضو في تجمع السودانيين المستقلين




