رسالة للاستنارة من التغبيش. الإسلاميون والجيش.. لعبة قديمة بثوب جديد قراءة في المشهد السوداني الراهن
خضر كوة

من يتابع المشهد السوداني في الأسابيع الأخيرة يدرك أن الإسلاميين لم يغادروا الساحة، بل ما زالوا يناورون بطرق مختلفة عبر المؤسسة العسكرية. الجديد ليس في الأسلوب، بل في درجة الوضوح؛ فقد أصبح واضحاً أن الجيش نفسه صار يوفّر الغطاء للإسلاميين، يرقّع لهم الطريق، ويسمح لهم بالعودة للواجهة السياسية بعد أن خسروا شعبيتهم وسمعتهم داخلياً وخارجياً.
البرهان بين وعود الخارج وضغوط الداخل
الجنرال عبد الفتاح البرهان، الذي يتقلّب بين العواصم ويلتقي الأطراف الدولية، قدّم نفسه في سويسرا كقائد مستعد لتقليص نفوذ الإسلاميين. هناك أعطى إشارات إيجابية للأمريكان والأوروبيين، محاولاً الظهور بمظهر الرجل البراغماتي الذي يسعى لحل سياسي شامل.
لكن ما إن عادة الي بورتسودان ، حتى انخرط في اجتماعات مباشرة مع الإسلاميين، وكأن كل وعوده لم تكن سوى ورقة للاستهلاك الدبلوماسي. والأكثر من ذلك أنه هو من طلب من الإيقاد العودة إلى الاتفاق الإطاري، ليس بدافع الحرص على الانتقال، بل استجابة لترتيبات الإسلاميين الذين يتقنون لعبة المراوغة: قبول مرحلي بالمسارات الدولية مقابل ضمان إعادة تموضعهم في المشهد السياسي.
الجيش كأداة في يد الإسلاميين
تاريخياً، اعتمد الإسلاميون على الجيش كوسيلة للوصول إلى السلطة. واليوم يتكرر المشهد بصورة أوضح: الجيش لم يعد فقط مؤسسة يتم اختراقها، بل صار هو من يهيّئ الأرضية للإسلاميين، يعيد إنتاجهم ويمنحهم شرعية افتقدوها.
إبعاد بعض الضباط الإسلاميين مؤخراً لم يغير شيئاً من المعادلة؛ فالتفاهمات السياسية واللقاءات الخفية ما زالت مستمرة، بل إنها صارت أكثر حدة كلما اشتد الضغط الدولي على السلطة القائمة.
تجربة ثلاثة عقود ونصف.. ألا تكفي؟
يا أيها السودانيون، يا أيها الأفارقة، ويا أيها العالم: لقد حكم الإسلاميون السودان أكثر من ستة وثلاثين عاماً. خلال هذه الحقبة الطويلة، لم يعرف السودانيون منهم سوى الكذب والتضليل، ولم يعرف العالم منهم سوى المناورات والوعود الكاذبة.
فهل يُعقل أن تُمنح لهم فرصة جديدة لإعادة إنتاج أنفسهم عبر الجيش أو عبر واجهات أخرى، بعد كل هذه التجربة المريرة؟
مسؤولية الحكومة التأسيسية
إن الحكومة التأسيسية المرتقبة أو أي سلطة انتقالية جديدة لا بد أن تتحرك بذكاء وسرعة. فالمطلوب اليوم ليس مجرد إدارة يومية للأزمة، بل بناء بديل حقيقي يقطع الطريق أمام الإسلاميين ويمنع عسكرة الدولة من جديد.
هذا البديل لا يمكن أن يقوم على شعارات فضفاضة، بل على مشروع واضح: دولة مواطنة، مؤسسات مدنية قوية، واقتصاد مستقل عن شبكات الفساد القديمة. العالم نفسه ينتظر أن يرى إن كان السودان قادراً على إنتاج هذا النموذج الجديد، أم أنه سيبقى رهينة لدوامة الخداع التي يتقنها الإسلاميون منذ عقود.
المجتمع الدولي: بين الاختبار والواجب
المجتمع الدولي، وخاصة الأطراف الفاعلة في ملف السودان مثل الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الإفريقي، لا يمكن أن يكتفي بالاستماع للوعود أو الانخداع بالخطاب المزدوج الذي يتقنه البرهان والإسلاميون.
المطلوب هو دعم واضح وقوي للحل المدني الديمقراطي، وربط أي مساندة سياسية أو اقتصادية بخطوات ملموسة تضمن تفكيك بنية التمكين، وإبعاد الإسلاميين عن مفاصل الدولة والجيش. كما يجب أن يتخلى المجتمع الدولي عن سياسة “إدارة الأزمة” التي تمنح الإسلاميين فرصة للعودة، وأن ينتقل إلى سياسة “حل الأزمة” بدعم القوى المدنية الحقيقية، ومساندة أي عملية تأسيسية تسعى لبناء دولة مؤسسات لا تخضع لابتزاز العسكر أو الإسلاميين.
الخاتمة: نداء للسودانيين
يا أبناء السودان، التاريخ الآن يكتب فصلاً جديداً، فإما أن نسمح للإسلاميين بالعودة عبر بوابة الجيش وبألاعيب البرهان، أو نغلق هذه الصفحة المظلمة إلى الأبد. ثلاثون عاماً وأكثر كانت كافية لإثبات أن مشروعهم لا يجلب سوى الخراب والحروب والعزلة.
المسؤولية اليوم ليست على الحكومة التأسيسية وحدها، بل على كل سوداني وسودانية: في الشارع، في المجتمع، وفي مؤسسات الدولة. إذا لم نتحرك بوعي وذكاء لخلق البديل، فسوف يستمر التلاعب ذاته الذي دمّر بلادنا.
لقد آن الأوان أن نقول بوضوح: لا عودة للإسلاميين، لا عسكرة للحكم، نعم لدولة المواطنة والديمقراطية.



