
المشهد السوداني يكشف مرة أخرى عن جوهر المركز؛ عقلية ترى في أبناء دارفور مجرد أدوات للحرب، لا أكثر. ففي معارك الجزيرة وأم درمان والخرطوم ومصفاة الجيلي، كان أبناء دارفور في مقدمة الصفوف، حُشروا إلى الخطوط الأمامية، وقُدّموا كقرابين حتى تبقى عاصمة المركز قائمة. لم يُنظر إليهم كأرواح تُقدّس، بل كجنود يُستهلكون في حرب ليست لهم، خدمة لرمزية الخرطوم ومعاقل السلطة.
لكن حينما نقل المركز المعركة إلى الفاشر حتى يخفف الضغط العسكري على مدن الشمال ، انقلب المشهد رأساً على عقب. لم نرَ ذلك الحشد الجارف ولا تلك الاستنفارات الهائلة التي فُتحت في مدن الشمال. بل على العكس، بات الجيش يرفض أن يدفع بأبناء مناطقه إلا بقوات رمزية رأيناها ، وترك أهل دارفور يواجهون مصيرهم وحدهم، وأكثر من ذلك حاول أن يجعل من المدنيين أنفسهم دروعاً بشرية داخل الفاشر، ليغطوا على عجزه ويمنحوه ورقة عسكرية قذرة في مواجهة خصومه و يتاجر دوليا بارواح المدنيين .
بلغ الإذلال أقصى مداه حين وصل الأمر بأبناء دارفور إلى أن يُتركوا بلا قوت، لا يجدون سوى “خُد أمل (الأمباز)” علف الحيوانات كغذاء يومهم و يمنعوا من الخروج عبر ممرات امنة ، أي قسوة أعظم من أن يتحوّل الإنسان إلى كائن يبحث في ما يُعطى للبهائم ليبقى على قيد الحياة؟ هذا المشهد لم يحدث قط في مدن الشمال، حيث فُتحت الطرقات الآمنة وضُمنت المخارج و أقيمت المطابخ الجماعية وحُفظت الكرامة الإنسانية ولو في حدها الأدنى.
حينما سقطت مدني، فُتحت الطرق من مدني إلى القضارف، ومن سنار إلى مدني، ومن مدني إلى القضارف. وحينما اشتعلت الخرطوم، فُتحت الممرات إلى الشمالية ومن هناك إلى مصر في خطوط آمنة للمدنيين. ورأينا الأطعمة تمر عبر الشاحنات من بورتسودان إلى مناطق سيطرة الجيش في الولايات المختلفة، مروراً عبر مناطق سيطرة الدعم السريع دون أن تُمنع. لكن في الفاشر، مُنع المدنيون من الخروج، فلا ممرات آمنة ولا مناطق خضراء. اختُزل إنسان دارفور إلى وسيلة عسكرية، ممنوع من الخروج بين الجوع والرصاص، ممنوع من النجاة، لأن الجيش والمشتركة قرروا أن دمه وقود مشروعهم.
وجاءت زيارة الفريق شمس الدين كباشي إلى الأبيض لتكشف المزيد. لم يذهب ممثلاً لجيش وطني، بل لجيش المركز، حيث اجتمع بالقوات المشتركة ودفعهم نحو محورين أساسيين: كردفان والفاشر. لم تكن زيارته بروتوكولية بل كانت رسالة سياسية واضحة: المعركة ليست معركتنا نحن، بل معركتكم أنتم أبناء الهامش. الكباشي، بصفته ممثل جيش الجلابة، أراد أن يزجّ بالمشتركة في مواجهة مفتوحة مع قوات الدعم السريع، ليتقاتل أبناء الهامش مع بعضهم حتى الفناء، بينما يبقى المركز ومليشياته في مأمن، يراقب المشهد وكأنّه معركة بالوكالة: الأطراف تُستنزف والخرطوم تظل بمنأى.
المأساة تتضاعف حين نرى بعض أبناء الإقليم في صفوف المشتركة يساهمون في حصار مدينتهم. أي وعي هذا الذي يجعل الإنسان يقف ضد أهله ويحوّل دماءهم إلى وقود خدمة لمركزٍ لا يعترف به أصلاً؟ وفي الوقت الذي تُترك فيه الفاشر محاصرة وجائعة ومهددة بالفناء، نرى الخرطوم ورئيس وزرائها يتحدثون عن إعمار ما دمرته الحرب وعن عودة ( القونات والمغنيات ) إلى إحياء الحفلات وكأن شيئاً لم يكن. الخرطوم تحتفل بينما الفاشر تُدفن جوعاً ورصاصاً.
هذه ليست مجرد حرب؛ إنها لحظة كاشفة. تكشف أن المركز يقدّس الشمال ويحميه بالممرات الآمنة ويضمن له الغذاء والحياة، بينما يترك دارفور محاصرة وجائعة ومهددة بالموت و يمنع المدنيين من الخروج عبر الممرات الآمنة التي حددت من قبل قوات تأسيس و لم يمنع جيش بورسودان المدنيين في مدن الشمال من الخروج عبر ممرات امنة إلى خارج مناطق الحرب . و لكن تلك الأشياء تكشف أن دم الدارفوري لا يُحسب في ميزان الإنسانية بل في ميزان المصلحة العسكرية. الفاشر اليوم ليست مجرد مدينة محاصرة؛ إنها مرآة السودان كلّه، مرآة تُظهر أن المعركة الحقيقية ليست معركة جغرافيا، بل معركة وعي: هل نبقى أسرى لعقلية المركز التي ترى في الإنسان الدارفوري مجرد درع بشري، أم نكسر هذه المعادلة الجائرة ونبني دولة تحترم إنسانها حيثما كان؟




