رأي

السودان ينهار والعالم يعيد رسم مصيره السياسي

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

حين تعجز السياسة عن إنتاج الحلول، تتحول الأوطان إلى ساحات تُدار من الخارج لا من داخلها

لم تعد الحرب في السودان مجرد صراع عسكري بين قوتين تتنازعان السلطة والنفوذ، ولا أزمة سياسية قابلة للاحتواء عبر المبادرات التقليدية أو البيانات الدبلوماسية المتكررة. فبعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع النزاع، تبدو البلاد وقد دخلت مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة، مرحلة فقدت فيها القوى السودانية — العسكرية والمدنية والسياسية — القدرة الفعلية على تحريك المشهد أو إنتاج تسوية وطنية مستقلة، بينما أخذ العامل الخارجي يتقدم تدريجياً ليصبح المحدد الأكثر تأثيراً في مستقبل الأزمة ومساراتها المحتملة.

لقد كشفت التطورات الأخيرة، والتصريحات الصادرة عن المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان بيكا هافيستو، حجم التحول الذي طرأ على مقاربة المجتمع الدولي للأزمة السودانية. فالرجل لم يكتفِ بالتأكيد على استحالة الحسم العسكري، بل أشار بوضوح إلى أن الجهود الدولية باتت تتركز على إدارة الصراع ومنع انفجاره الكامل عبر ترتيبات إقليمية ودولية واسعة، تشمل أطرافاً عربية وأفريقية وغربية متعددة. وهذا التحول لا يعكس فقط إدراكاً دولياً لخطورة الانهيار السوداني، بل يعبر أيضاً عن قناعة متزايدة بأن الفاعلين المحليين لم يعودوا قادرين وحدهم على إنهاء الحرب أو حتى ضبط إيقاعها.

والحقيقة أن الأزمة السودانية تجاوزت منذ وقت مبكر حدود الصراع الداخلي التقليدي، لتتحول إلى ساحة مفتوحة للتجاذبات الإقليمية والتقاطعات الدولية. فالتدخلات الخارجية لم تعد مجرد وساطات سياسية أو جهود دبلوماسية محايدة، وإنما أصبحت جزءاً أصيلاً من معادلة الحرب نفسها، سواء عبر الدعم السياسي، أو التمويل، أو الإسناد اللوجستي، أو توظيف السودان ضمن صراعات النفوذ الجيوسياسي في الإقليم.

ولهذا تبدو التحركات الدولية الأخيرة أكثر جدية وتنظيماً من أي وقت مضى. فالجولات التي أجراها هافيستو بين الدوحة وأبوظبي والرياض، والاجتماعات المتواصلة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، والنقاشات المتقدمة داخل الكونغرس الأمريكي، جميعها تشير إلى أن الملف السوداني لم يعد يُنظر إليه كأزمة محلية معزولة، بل باعتباره تهديداً إقليمياً واسع التأثير، تتجاوز تداعياته حدود السودان إلى القرن الأفريقي ومنطقة الساحل والبحر الأحمر.

كما أن دخول مؤسسات تشريعية غربية — مثل لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي — على خط الأزمة بهذه الصورة، يعكس انتقال التعاطي الدولي من مرحلة المتابعة السياسية إلى مرحلة بناء أدوات ضغط أكثر وضوحاً. فمشروع القرار الأمريكي الذي يدعو إلى وقف الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة، وإدانة الانتهاكات، ودعم مسار الحكم المدني، لا يحمل فقط أبعاداً إنسانية أو أخلاقية، بل يعبّر عن إدراك متزايد داخل دوائر القرار الغربية بأن استمرار الحرب يهدد بإنتاج فراغ أمني واسع قد يتحول إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار الإقليمي.

غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن تصاعد الاهتمام الدولي لا يقابله أي تقدم حقيقي في الداخل السوداني. فالشقة بين الفرقاء تتسع يوماً بعد يوم، ليس فقط بسبب تعقيدات الميدان العسكري، وإنما أيضاً لأن الحرب نفسها أعادت تشكيل المجتمع والدولة بصورة عميقة وعنيفة. لقد خلقت الحرب واقعاً إنسانياً مأسوياً تجاوز حدود الكارثة التقليدية؛ ملايين النازحين واللاجئين، انهيار شبه كامل للخدمات الأساسية، اتساع دائرة المجاعة، تدمير البنية التحتية، وتآكل مؤسسات الدولة بصورة غير مسبوقة.

لكن الأخطر من ذلك كله هو الانقسام الاجتماعي الحاد الذي أخذ يتغلغل داخل البنية الوطنية السودانية. فالحرب لم تقتصر على إعادة توزيع القوة العسكرية، بل أعادت أيضاً إنتاج الهويات والانقسامات والمخاوف بصورة تهدد فكرة الدولة الوطنية نفسها. لقد توسعت مشاعر الشك والكراهية، وتنامت النزعات الجهوية والإثنية، وبرز خطاب تعبوي حاد يقوم على التخوين والتحريض والاستقطاب، الأمر الذي جعل فرص بناء توافق وطني أكثر صعوبة وتعقيداً.

وفي ظل هذا التشظي، تبدو القوى المدنية والسياسية السودانية في أضعف حالاتها التاريخية. فهذه القوى، التي كانت تُقدَّم يوماً باعتبارها حاملة مشروع الانتقال الديمقراطي، باتت اليوم موزعة بين المنافي، والانقسامات، وضعف التأثير، وفقدان القدرة على بناء مركز سياسي موحد قادر على فرض نفسه كبديل وطني جامع. كما أن كثيراً من المبادرات المدنية غرقت في صراعات النخب والخلافات التنظيمية، بينما ابتعدت تدريجياً عن الشارع المنهك بالحرب والجوع والنزوح.

أما القوى العسكرية، فرغم استمرارها في إدارة المعركة ميدانياً، فإنها تبدو هي الأخرى عاجزة عن تحقيق حسم نهائي أو إنتاج صيغة مستقرة للحكم. فالحرب تحولت إلى حالة استنزاف مفتوحة، تُستهلك فيها الموارد والقدرات البشرية دون أفق واضح للنصر أو التسوية. وكلما طال أمد الصراع، ازدادت تبعية الأطراف المتحاربة للدعم الخارجي، وتراجعت قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة بعيداً عن حسابات الحلفاء الإقليميين والدوليين.

وهنا تحديداً يبرز العامل الخارجي بوصفه المحدد الأكثر حسماً في مستقبل السودان. فالدول الإقليمية الكبرى لم تعد تتعامل مع السودان باعتباره مجرد جار مضطرب، بل كساحة مرتبطة مباشرة بأمنها ومصالحها ونفوذها. البحر الأحمر، الهجرة غير الشرعية، الجماعات المسلحة، الموارد الطبيعية، التنافس الدولي، وممرات التجارة والطاقة؛ كلها عوامل جعلت السودان جزءاً من معادلات إقليمية أعقد بكثير من حدود أزمته الداخلية.

ولهذا، فإن أي تسوية مستقبلية تبدو اليوم مرهونة إلى حد بعيد بمدى قدرة القوى الدولية والإقليمية على التوصل إلى تفاهمات مشتركة حول شكل الدولة السودانية المقبلة، وحدود النفوذ داخلها، وطبيعة الترتيبات الأمنية والسياسية المطلوبة. بمعنى آخر، فإن الحرب السودانية لم تعد تُحسم فقط داخل الخرطوم أو دارفور أو كردفان، بل في العواصم الإقليمية ومراكز القرار الدولية التي باتت تمتلك التأثير الأكبر على مسارات الصراع.

ومع ذلك، فإن الرهان الكامل على الخارج يحمل في داخله مخاطر جسيمة. فالتجارب التاريخية تؤكد أن التسويات المفروضة من الخارج، إذا لم تستند إلى توافق وطني حقيقي، كثيراً ما تنتج هدنات هشة لا سلاماً مستداماً. كما أن تضارب المصالح الدولية والإقليمية قد يحول السودان إلى ساحة مساومات مفتوحة، تُدار فيها الأزمة لا تُحل، ويتم احتواء الانهيار دون معالجة جذوره العميقة.

إن السودان يقف اليوم أمام لحظة فارقة في تاريخه الحديث؛ لحظة تتآكل فيها سلطة الداخل لصالح نفوذ الخارج، وتتراجع فيها قدرة القوى الوطنية على الإمساك بمصير البلاد. وبينما تتكثف التحركات الدولية وتتزايد الضغوط الإقليمية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل ما زال السودانيون قادرين على استعادة زمام المبادرة وبناء مشروع وطني جامع، أم أن البلاد دخلت بالفعل مرحلة تُصاغ فيها تسوياتها الكبرى خارج حدودها؟

حتى الآن، تبدو الإجابة أكثر قتامة مما يحتمل السودانيون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!