
ما يثير استغرابي حقاً ليس فقط ذلك الظلم العميق والممنهج الذي مارسته النخب الحاكمة المتعاقبة في السودان، والتي ورثت أدوات الاستبداد من الاستعمار واستبقت السلطة والثروة عبر القمع واحتكار القرار السياسي، بل الأعجب من ذلك هو قابلية بعض الناس للرضوخ لهذا الظلم، بل والتماهي معه والتعايش في كنفه. فالإنسان الحر بطبيعته يرفض الذل والتبعية، ويثور ضد القهر بكل أشكاله، ويصطف إلى جانب المظلومين دفاعاً عن كرامة الإنسان وحقه في الحرية. أما الارتماء في أحضان الطغاة والتموضع مع الجلادين فليس سوى سقوط أخلاقي وتجريد للإنسان من إنسانيته.
إن الدولة التي نشأت بعد الاستعمار لم تكن يوماً معنية بمصالح الشعوب السودانية، بل تحولت إلى أداة لخدمة قلة مرتبطة بالمصالح المصرية وحراسة أمنها القومي. ومن أجل ذلك صُنعت الحروب وأُشعلت النزاعات لتبقى الجماهير أسيرة في وطنها. حتى مشروع الاستقلال، الذي يفترض أن يكون تعبيراً عن تطلعات الناس، كان مشروعاً نخبوياً لا يعكس إرادة الشعوب. لقد أفسدوا التعليم، وسمموا الإعلام، ومارسوا غسيل العقول حتى بات كثيرون يرددون، كالببغاوات، أناشيد وأغاني وطنية تمجّد الجيش وهو يقتل أهله، وتحتفي بالقومية بينما مؤسسات الدولة تُقصي التنوع وتخفي الحقائق بخطاب تضليلي. والمفارقة أننا نتباهى بالاستقلال بينما مصر الرسمية تحتل أراضينا، وتقسّم مياه النيل بما يضرنا، وتنهب موارد السودان على مرأى ومسمع، تحت حماية ما يسمى بالقوات المسلحة السودانية.
لكن رغم كل ذلك، ما زالت الشعوب السودانية تثور وتبحث عن طريق الخلاص من هذا النفق المظلم عبر تحالفات سياسية واسعة، مثل “تحالف السودان التأسيسي”، الذي يحاول مقاربة جذور الأزمة ويضع أُطراً جديدة للحرية والسلام والعدالة. ومع ذلك تصر قوى الردة ـ في عصابة بورتسودان ـ على شد البلاد إلى الوراء، رافضة تطلعات الشعوب. والأدهى أن بعض القوميات لا تزال تساندها، مكرّسة خضوعاً أعمى لدولة الأقلية التي أذاقت السودانيين مرارة القهر والحرمان. إنه سلوك الهوان، ومن يهن يسهل عليه الهوان، كما قال أفلاطون: لو أمطرت السماء حرية لرأيت بعض العبيد يحملون مظلات.




