
نجم الدين دريسة
إن العزلة التي تعيشها عصابة بورتسودان لا تخطئها عين، وقد ظهر ذلك جليًا إبان انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها التاسعة والسبعين، حينما رفضت دول عديدة لقاء البرهان، ولم يلتقِ إلا بدول “محور الشر”، لأسباب تبدو جوهرية جدًا، منها افتقاره للشرعية بسبب انقلابه على السلطة المدنية الانتقالية، وعدم أهليته، وهو ما تبيّن للمجتمع الدولي من خلال وضعه العراقيل أمام الجهود الدولية الرامية إلى وقف العدائيات، وضمان إيصال المساعدات الإنسانية وانسيابها، إلى جانب رفضه مبادرة الإيقاد، والدعوة الأمريكية لمنبر جنيف، ونكوصه عن اتفاق المنامة، مما جعل العالم ينظر إليه بريبة عالية جراء تكتيكاته المكشوفة، ومراوغاته الفاقعة.
هذا فضلًا عن عجزه في التحكم بقراراته، المُرتهنة أصلًا لجماعة الإخوان المسلمين من جهة، والدولة المصرية من جهة أخرى.
إنّ الحرب التي أشعلها جيش جماعات الهوس الديني، بمعاونة الدولة المصرية، كانت تهدف لإجهاض كل جهد يمكن أن يفضي إلى بناء وتأسيس دولة سودانية مستقلة، ولقطع الطريق أمام ثورة ديسمبر المجيدة، التي كادت أن توحّد إرادة وأهداف وتطلعات الشعوب السودانية، عبر مشروع وطني ينهض على قاعدة من التحرر من النخب المرتهنة تاريخيًا للدولة المصرية، تلك النخب التي على مدى سبعة عقود من الزمان استنزفت الموارد، وخلقت الفتن والصراعات، وأجّجت الحروب، واغتصبت خلالها الأراضي السودانية في حلايب وشلاتين وأبورماد والفشقة.
وقد مُورِس التهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي على أطياف عريضة من مكونات الشعب السوداني، كل ذلك تم عبر جيش “ونجت”، الذي ظل مخلب قط للتدخل المصري السافر في الشأن السوداني. فمصر، على الدوام، تسعى لحشر أنفها في قضايانا، وتُصرّ على حضور جيشها في أي عملية تسوية سياسية، وتُوظّف إمكانياتها لإضفاء شرعية على الأنظمة الديكتاتورية عبر علاقاتها الأخطبوطية في القارة السمراء، القارة المتخمة بالفساد والاستبداد.
وإزاء هذه الظروف والتداعيات بالغة التعقيد، كان الأجدر بالشعوب السودانية المهمّشة أن تمضي بثبات نحو تأسيس دولة جديدة على أسس عادلة، تضع حدًا للظلم التاريخي الذي كرّسته الدولة المركزية الغنائمية القابضة، الباطشة، المنتهِكة، المختطِفة.
وبالطبع، لا تُوجد مخاوف حقيقية تُحدق بهذه الفكرة، طالما أن هناك عوامل موضوعية وملحّة تستدعي قيامها، لتجنيب البلاد مزيدًا من التمزّق والتشرذم، وتؤسس لمسار دائم نحو دولة راسخة تستند إلى مقومات أساسية، في مقدّمتها الانتماء إلى أطياف واسعة من مكونات الشعب السوداني، تمثل كل القوميات والثقافات، وتُحكم بنظام دستوري متّفق عليه ومرضيّ عنه.
خاصة في ظل تفاقم حالة الفراغ السياسي الناتج عن غياب سلطة شرعية. والمثير للسخرية أن الاتحاد الإفريقي، هذا الكيان الغريب الأطوار، كان قد رفض الاعتراف بعصابة بورتسودان الفاشلة، غير أن الدولة المصرية البغيضة لا تزال تُصرّ على تحريك أذرعها المعروفة داخل هذه المنظمة المترنّحة، في محاولة لإجبارها على عدم الاعتراف بتحالف السودان التأسيسي، وكأن هذا التحالف كان ينتظر اعترافًا من اتحاد مهترئ، غارق في وحل الفساد.
إن تحالف السودان التأسيسي يحظى بإجماع واسع وتوافق عريض من قوى المجتمع، السياسية والمدنية، الحديثة والناهضة، وبالتالي فإن تشكيل حكومته ليس بدعة، بل له سوابق وتجارب مماثلة في التاريخ السياسي الحديث، كما حدث في كوسوفو، الصومال، سوريا، وليبيا. فالسودان ليس استثناءً، والمؤسف أن بعض القوى المدنية في “صمود” تُبدي مخاوف لا مسوّغ لها، رغم أن أكثر من نصف سكان السودان في أمسّ الحاجة إلى حكومة تعبّر عنهم، تُنهي الحرب، وتُرسِي دعائم دولة مستقلة، تُعلي من قيم التنمية، وتُحارب الفساد والاستبداد، وتُبسط الإجراءات، وتُوظف الموارد لخدمة الشعوب السودانية.
فهل مثل هذه القضايا الكبرى تحتاج إلى “اعتراف” من اتحادكم الغارق حتى أذنيه في قضايا الفساد؟!
تبًّا لكم.




