
د. خالد تارس
بعد سبات شتوي طويل، تجاوز العامين من حرب عبثية أنهكت البلاد، خرج الأهوج نافع علي نافع من صمته عبر تصريحات جوفاء، ومداخلات جافة خلال ندوة إسفيرية نظمها الحزب المحلول، محاولًا أن يستعيد دور الصقر الإنقاذي الذي فقد كل أجنحته، لكن وكما العادة، حيث لم يأتِ الرجل بجديد، فما زال مسكوناً بوهم السلطة، متقمصاً دور الدكتاتور الباطش الممسك بخيوط اللعبة، وكأن شيئاً لم يتغير على الملعب منذ هروبه المذعور إلى تركيا بعيد اندلاع الحرب التي ساهم في إشعالها.
المفارقة أن نافع لم يتطور في سلوكة، ولم يتعلم شيئاً من الدمار الذي خلفته مغامرات الإسلامويين، هو ذات الرجل الذي استغرب منه حتى رفاقه، فعندما سئل الدكتور الترابي عن المفاجاة بعد خروجه من السجن، أجاب ساخراً إن أكبر مفاجأة صادفها أن نافعاً صار (سياسياً).. هذه العبارة تلخص المسافة الهائلة بين الرجل والعمل السياسي الرشيد. وفي التسجيل الصوتي المنسوب إليه، جاهر نافع كالعادة برفضة لأي حديث عن السلام والاستقرار، معلناً تأييده الكامل لاستمرار الحرب، فقط لأنه يرى أن أي اتفاق سياسي مع الدعم السريع قد يعيد المدنيين في مجموعة عبد الله حمدوك إلى الواجهة، وبذلك هو يكرر ذات الخطاب الرث والمتهالك الذي كان سائداً ايام الانقاذ، مدعياً أن الإسلام هو الضامن الوحيد لبقاء السودان، وهو تناقض فج مع جوهر الإسلام الذي يقوم على السلام والعدل.!
الأدهى والامر أن نافع لا يزال يستدعي الأسطوانة القديمة بوصف الغرب بأنه استعمار صهيوني يمنع الإسلامويين من بلوغ الحكم، وكأن الرجل توقف عند زمن الحرب الباردة، غير مدرك أن خطابه هذا لم يعد يقنع حتى قواعد حزبه الممزقة والمشردة، المفارقة أن زملاءه من تيارات المؤتمر الوطني كمجموعة كرتي وأحمد هارون، ظلوا يوجهون سهامهم نحو دولة الإمارات العربية، بينما هو لوحدة يواصل التلويح بفزاعة الغرب الصهيوني. إنها حالة ارتباك كاملة، تكشف كيف تحولت الحركة الإسلاموية من مشروع فكري إلى جزر سياسية متناحرة ومعزولة.
الحقيقة أن نافع لم يتغير قيد أنملة في تصرفاته، فما زال هو صاحب عبارة (لحس الكوع).. رمز الغرور السياسي واللغة المستفزة، وما زال غارقاً في الاوهام والانغلاق في التفكر وضيق أفقه السياسي. لم تمنحه التجارب المريرة لا بصيرة ولا نُضجاً، حيث ظل أسير عقلية انتقامية ترى في الحرب وسيلة مهمة للبقاء والسيطرة، لا كارثة تهدد وجود الدولة.
لقد انهارت حظيرة الإسلام السياسي التي احتمى بها دكتور نافع ورفاقه لثلاثه عقود متصلة، حيث تفتت مشروعهم على صخرة التهور والغدر وسوء التقديرات، وما تبقى من مشروعهم ليس سوى صدى باهت لماضٍ أسود، إلا انهم يصرون على إعادة تدويره رغم ثبات الفشل وجرّ البلاد إلى الحرب السحيق.!
إن عودة نافع علي نافع ليست سوى إعادة بث شريط سياسي قديم فقد قيمته. فالرجل لم يبدل فكره وسلوكة الاهوج باخر عقلاني جامع، فما زال يردد عبارات الاستعلاء والانغلاق وكأن السودان لم ينزف دماً ولم تُحرق مدنه ولم تنزح شعوبية. وإذا كان من درس يمكن أن يتعلمه السودانيون من تجارب العقود الماضية في حكم الاسلامويون، فهو أن بقاء أمثال نافع في المشهد السياسي يعني تكريس الحرب وإعادة إنتاج الكارثة والدمار الشامل، أما المستقبل فسيصنعه جيل يرفض عقليات (الكوع).. ويؤمن أن الخلاص الكامل في الانفتاح نحو دولة ديمقراطية حرة، لا في الغرور الأجوف ورداءة التفكير.




