
لم يكن غريباً أن يُثير مقال الأستاذ الصاوي جدلاً واسعاً حول تحالف “تأسيس” بين الحركة الشعبية–شمال والدعم السريع، فهو تناول الموضوع من زاوية نقدية جذرية، لكن ما يثير القلق هو أن نقده أعاد إنتاج خطاب “الطهرانية السياسية” الذي يفصل الأخلاق عن الواقع، ويصوّر التناقضات كخطيئة لا كبوابة إلى الفعل التاريخي.
في المقابل، جاء مقال خالد كودي أكثر قدرة على التقاط الجوهر: أن “تأسيس” ليس مجرد صفقة بين قوتين، بل تعبير عن تحول نوعي في السياسة السودانية، يحمل إمكانيات أوسع مما أراد الصاوي أن يراه.
يرى الصاوي أن التحالف بين الدعم السريع والحركة الشعبية–شمال هو تحالف مصلحي، ظرفي، لا يملك امتداداً جماهيرياً ولا مرجعية فكرية. لكنه بذلك وقع في فخ الطهرانية التي تحدث عنها يورغن هابرماس حين وصف “الأخلاقوية السياسية” بأنها نوع من الهروب من الواقع، حيث يتحول النقد إلى وعظ، ويُطلب من التاريخ أن ينصاع للمعايير المجردة بدل أن تُصاغ المعايير من رحم التجربة التاريخية.
السياسة، كما يُذكرنا ماكس فيبر، ليست مجالاً للملائكة بل لحساب “أخلاق المسؤولية”، حيث يُقاس الفعل بقدرته على إنتاج أثر في الواقع، لا فقط بمدى توافقه مع المثاليات. هنا يظهر خطأ الصاوي: فهو لا يرى في التناقضات السودانية إمكاناً للتغيير، بل يقرأها كأدلة على العجز والفشل.
خالد كودي التقط خيطاً مختلفاً: أن الدعم السريع لم يعد مجرد ذراع عسكري؛ إنه في مرحلة تحوّل يبحث فيها عن أيديولوجيا شعبية تعطيه شرعية سياسية وتفتح أمامه باب المشاركة في صياغة المستقبل. من جهة أخرى، الحركة الشعبية–شمال لم تبقَ أسيرة سردية “الهامش ضد المركز” في حدودها الضيقة، بل بدأت تنفتح على القوى المدنية والتنظيمات القومية والشخصيات الفكرية، لتبني مشروعاً وطنياً جامعاً.
هذا الانفتاح لم يأتِ من فراغ. فـ”تأسيس” لم يكن تحالفاً ثنائياً بحتاً؛ لقد شاركت فيه مكونات مدنية، تنظيمات نقابية، وجوه قومية مستقلة، وقيادات فكرية أضافت إليه بعداً مختلفاً، وضمنت ألا يُختزل المشروع في ثنائية الحركة الشعبية والدعم السريع فقط.
وهنا تظهر إصابة كودي: لقد فهم أن السياسة في السودان تتحرك لا من خلال النقاء، بل عبر التوازنات والتحالفات المتعددة التي تُعيد تشكيل المشهد، تماماً كما وصف أنطونيو غرامشي لحظة “الكتلة التاريخية” التي تُبنى من قوى تبدو متناقضة، لكنها في النهاية تُشكّل أفقاً جديداً للتاريخ.
التحالف بين الدعم السريع والحركة الشعبية–شمال لا يمكن قراءته كاستسلام متبادل، بل كتحوّل متدرج. الحركة الشعبية انتقلت من مرحلة الجمود في خطاب الهامش/المركز إلى مرحلة المرونة، حيث تُدرك أن قضايا العدالة التاريخية لا تُختزل في الجغرافيا بل تشمل بناء الدولة الحديثة.
أما الدعم السريع، ففي تحوّره إلى كيان سياسي، يسعى إلى بلورة أيديولوجيا شعبية أقرب إلى الهموم اليومية للمواطن السوداني: الحرية، المساواة، العدالة، والمشاركة. هذا التحول لا يخلو من التناقضات، لكنه يعكس إمكانية إعادة صياغة الحركة المسلحة لتصبح جزءاً من الحقل السياسي لا مجرد أداة عسكرية.
تحالف “تأسيس” بهذا المعنى يتجاوز منطق “الصفقة العابرة”. إنه محاولة لصياغة عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية، ويستبدل منطق الامتيازات التاريخية بمنطق العدالة الدستورية. هنا نعود إلى ما أشار إليه إيمانويل كانط في “السلام الدائم”: أي مشروع للسلام لا يُبنى على دستور عادل هو سلام هشّ محكوم بالانهيار.
التجربة السودانية شاهدة على ذلك: أديس أبابا 1972، نيفاشا 2005، واتفاقيات ما بعد الثورة كلها انهارت لأنها قامت على تسويات جزئية، لا على مبادئ عامة. “تأسيس” – برغم هشاشته الأولية – يحمل في طياته إمكانية أن يكون مختلفاً لأنه أسس على وثيقة دستورية واضحة تُعلن مبادئ المواطنة والعدالة فوق أي مساومة.
ما يغيب عن الصاوي، ويُدركه كودي، هو أن السودان اليوم أمام فرصة نادرة. ليست فرصة لنقاء ثوري جديد، بل فرصة لإعادة صياغة مشروع وطني جامع. القوى المدنية والتنظيمات القومية التي انضمت لـ”تأسيس” تعطيه توازناً ضرورياً، وتُخرج الحركة الشعبية من عزلتها، وتُساعد الدعم السريع في الانتقال من منطق السلاح إلى منطق السياسة.
الفيلسوف هيغل كان يرى أن التاريخ يتحرك عبر التناقضات، وأن كل لحظة أزمة هي أيضاً لحظة ولادة. “تأسيس” في هذا السياق ليس نهاية المطاف، لكنه بذرة لإمكانية تاريخية، وإذا أُحسن التعامل معها يمكن أن تفتح الباب لبناء سودان جديد قائم على الحرية، المساواة، والعدالة.
أخطأ الصاوي لأنه قرأ “تأسيس” بعين الطهرانية العاجزة. وأصاب كودي لأنه أدرك أن الفعل السياسي السوداني اليوم ليس بحثاً عن مثاليات، بل عن قدرة على صياغة تحالفات تاريخية تُنتج واقعاً جديداً.
إن القوى التي صنعت “تأسيس” – من الحركة الشعبية إلى الدعم السريع، ومن الشخصيات القومية إلى التنظيمات المدنية – تُدرك أن السودان لا يُبنى إلا بقبول التناقضات كشرط للتغيير. وما يبدو اليوم تحالفاً متناقضاً قد يكون غداً لحظة تأسيس فعلية لدولة المواطنة المتساوية.
هنا، بين أخطاء الصاوي وإصابة كودي، يكمن النقاش الحقيقي حول مستقبل السودان: هل نعيد إنتاج خطاب الطهرانية العاجزة، أم نغامر مع التاريخ نحو أفق وطني جديد؟
عضو مؤسس في تحالف تاسيس
عضو تجمع السودانيين المستقلين




