
علي سانتينو
قصة قناة الجزيرة لم تعدّ تتعلق بإنحراف قناة عن مهنتها أو خطأ تقديري للمشهد السياسي؛ ما تفعله الجزيرة اليوم في نظر جمهور واسع ليس انحياز فقط، بل هو حالة تخريب متعمد للوعي العام، واعتداء مباشر على أبسط معايير الإعلام، وانغماس كامل في دور الذراع الدعائي لجماعات أيديولوجية تبحث عن نفوذ سياسي بأي ثمن. لقد تحولت القناة، بنظر الكثيرين إلى منصة تفريغ منظم للأكاذيب، تمارس التحريف والتوجيه، وتتعامل مع المشاهد السوداني ككائن ساذج يمكن تعبئته بأي خطاب، لا كإنسان واعي يستحق الحقيقة!
الجزيرة لم تسقط فقط، هي أخترقت الأرض وتجاوزت قاعها أصلاً. أصبح الإنحياز الذي تمارسه القناة وقاحة إعلامية لا تحتاج حتى إلى تمويه؛ بقدر ما هو انحياز مكشوف وفج، وصريح، يبعث برسالة مفادها أن القناة لا تعبأ بسمعتها ولا بتاريخها ولا بحق الناس في معرفة ما يجري حقيقةً، طالما أنّ هناك رواية سياسية تحتاج إلى أن تُمرّر، مهما كانت مليئة بالثغرات أو التلفيق أو التلاعب!
وفي السودان تحديداً، كان المشهد فاضحاً إلى درجة أن كثيرين رأوا أن القناة تحوّلت إلى ميكروفون للجماعة الإسلاموية، تبث الخطاب بالنيابة عنها، وتساندها في صراع دموي معقد كأنها شريك في الصراع لا مؤسسة إعلامية. لم تحاول الجزيرة حتى أن تخفي ولاء مراسليها لذلك الخطاب الأيدولوجي؛ فقد بدأ واضحاً أن مكاتبها هناك تعمل بعقلية غرف العمليات السياسية، لا فريق صحفي يسعى لنقل الحقيقة بتجرد وامانة. لقد تحولت بعض التقارير إلى رسائل تنظيمية فجه، وبيانات تعبئة وبرامج، ومنصات للصراخ الأيديولوجي!
ولم يقف الأمر عند الإنحياز الفج لجماعات الإسلام السياسي، بل تجاوز ذلك إلى ترويج محتويات مشكوك في صحتها، خاصة في السودان فقد وصل الجمهور إلى مرحلة يتساءل فيها إن كان ما يُعرض أمامه حقيقة أم منتج مخبري مصنوع لتوجيه الرأي العام. وبمجرد أن ترتبط قناة بهذا الحجم بحديث الناس عن مقاطع مفبركة أو مواد مصنّعة يكفي لإعلان إفلاسها المهني. لقد كسّرت الجزيرة حاجز الثقة مع المشاهدين تماماً، ثم حطّمته ورقصت على شظاياه بلا خجل!
والأخطر من كل ذلك أن هذا السلوك المشين لم يعد حالة معزولة. وما تفعله القناة في السودان تفعله في ملفات أخرى، الإسهام في تلميع قوى دكتاتورية قمعية تتقاطع مصالحها مع مشروعها، ضد الخصوم السياسيين، وتقديم قراءة مختلة للواقع تخدم طرفاً واحداً مهما كان سجله في القمع أو الفساد أو العنف والانتهاكات. هو نمط متكرر يثبت أن الجزيرة في منظور جمهور واسع بالمنطقة، لم تعد وسيلة إعلام محايد بقدر ما هي جزءاً من ماكينة نفوذ تعمل وفق حسابات أيديولوجية لا أخلاقية!
لقد أصبحت قناة الجزيرة، عبئاً على الوعي السياسي في مناطق النزاع، تثير الضجيج بدل المعرفة، تخلق الاستقطاب بدل التحليل، وتزرع الأكاذيب بدل الوقائع. إنها تعيد إنتاج خطاب الجماعات المتطرفة التي تدّعي تمثيل الشعوب وهي في الحقيقة تمزّقها بالخط الانحيازي، وتقدم نفسها كصوت للحرية بينما تتعامل مع كل صوت آخر وكأنه عدو يجب محاصرته وتشويه صورته!
ومن المفارقات المؤلمة أن قناة رفعت شعار الرأي والرأي الآخر أصبحت اليوم في نظر الكثيرين قناة الرأي الواحد والكذب المتكرر. قناة تُسخّر موارد هائلة لا لتنوير الناس بل لتدوير نفس الخطاب الذي دمر مشاهد المنطقة، وساهم في إطالة عمر أنظمة وتيارات أيدولوجية تقتات على الفوضى والانقسام!
لقد وصلت الجزيرة إلى نقطة لا يجدي معها التجميل ولا المكياج المهني. فإما أن تعود إلى الإعلام الحقيقي، أو تعترف بأنها منصة دعائية تعمل لحساب مشروع سياسي لا علاقة له بحرية الشعوب ولا مصالحها. أما ادعاء أنها قناة الجماهير الحرة، فقد سقط واحترق، وانكشف. فالجماهير التي تعرف الحقيقة لمّ تعدّ تقبل أن تكون ضحية تضليل مموّل من جماعة إسلاموية تحت غطاء إعلامي يتكشف في كل مرة.




