رأي

الرهان على دلدوم ودبلوماسية تأسيس

مها طبيق

جاء قرار تعيين الدكتور عمار آمون دلدوم وزيرًا للخارجية والتعاون الدولي في حكومة التأسيس ليعكس تحولات سياسية عميقة تسعى لإعادة رسم موقع السودان الجديد الخارجي . فالرجل الذي ظهر عبر الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال ، وشارك كأحد أبرز المفاوضين في مسارات السلام ، يقف اليوم أمام اختبار جديد يتمثل في إدارة وزارة الخارجية ، حيث التوازن بين العلاقات الدولية وصياغة صورة دولة ما زالت في طور التأسيس .

دلدوم يمتلك خلفية سياسية ومهنية متنوعة ، فقد شغل منصب الأمين العام للحركة الشعبية – شمال ، حيث وفر له ذلك قاعدة سياسية متينة داخل تحالف التأسيس . كما كان مفاوضًا رئيسيًا في جولات السلام ، وهو ما أكسبه خبرة في معالجة الملفات الشائكة والمعقدة ، كذلك خاض تجارب في الإدارة والتشريع عبر البرلمان والمستويات المحلية ، ما عمّق فهمه لمؤسسات الدولة والتعامل في الشأن العام . وإلى جانب ذلك ، عمل لسنوات في منظمات الإغاثة والتنمية ، الأمر الذي منحه إدراكًا للبعد الإنساني في العلاقات الدولية والدبلوماسية غير الرسمية . كل هذه الخبرات جعلت منه شخصية تجمع بين الواقعية السياسية والقدرة على قراءة موازين القوى .

وزارة الخارجية في المرحلة الحالية لحكومة تأسيس تعتبر ساحة مفتوحة لتقاطع الإرادات الإقليمية والدولية ، لذلك نجد أن التحديات أمام عمار دلدوم كبيرة ، تبدأ من ضرورة إعادة تعريف شرعية حكومة التأسيس وإقناع المجتمع الدولي بجدّيتها ، مرورًا بإدارة شبكة العلاقات مع دول الجوار مثل جنوب السودان وإثيوبيا ومصر وإريتريا ومع القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين . كذلك يواجه ملف العقوبات والدعم الدولي ، وهو ملف يحتاج خطابًا دبلوماسيًا مقنعًا وقدرة على بناء التحالفات . أضف إلي ذلك ، تقع على عاتقه مهمة تأطير دور السودان الجديد ، بحيث يتحول من دولة مأزومة إلى فاعل إقليمي يطرح المبادرات بعيدا عن منطق الازمات.

نقاط القوة لدى دلدوم واضحة ، فهو يمتلك خبرة تفاوضية تمنحه مرونة في التعامل مع الأطراف المختلفة ، كما أن خلفيته من جبال النوبة تضفي على خطابه مصداقية في الحديث عن العدالة والتمثيل المتوازن . إضافة إلى ذلك ، فإن ارتباطه بتحالف التأسيس يجعله ممثلًا لمشروع يسعى للتغيير الجذري لا لإعادة إنتاج القديم .

لكن في المقابل ، هناك نقاط ضعف محتملة ، فخبرته المباشرة في البيروقراطية الدبلوماسية محدودة ، كما أن التوقعات العالية من قواعد التأسيس قد تضعه تحت ضغط مضاعف في ظل بطء التغيرات على المستوى الخارجي . فضلًا عن ذلك فإن التنافس الإقليمي والدولي حول السودان سيختبر قدرته على المناورة ، خصوصًا في ملفات حساسة مثل البحر الأحمر ، أو العلاقات مع أطراف مثيرة للجدل مثل إيران وإسرائيل .

تعيين عمار آمون دلدوم تعتبر لحظة فارقة في مسار السياسة السودانية . فهو يملك فرصة لإعادة صياغة السياسة الخارجية على أسس جديدة تقوم على الندية والبراغماتية والتمثيل العادل . غير أن نجاحه سيعتمد على مدى قدرته في المزاوجة بين الشرعية الجديدة والكفاءة الدبلوماسية ، وهي معادلة صعبة لكنها ممكنة إذا أحسن توظيف خبرته التفاوضية في إدارة علاقات السودان الدولية بذكاء وجرأة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!