رأي

المشروع العروبي في السودان… إلى أين؟

مجدي محمد مصطفى ماكن

منذ الاستقلال ظل السودان يعيش جدلاً عميقًا حول هويته وموقعه في العالم. فالنخب الحاكمة تبنت المشروع العروبي تحت لافتة الإسلام، معتدلاً حينًا ومتشددًا حينًا آخر، وأدارت ظهرها للتعدد الثقافي والعرقي الذي يميز البلاد. في خطوة مبكرة انسحب السودان من منظمة الكومنولث، ليغلق الباب أمام فرص دعم تنموي في التعليم والصحة والبنى التحتية، كان يمكن أن تساعد على بناء دولة حديثة. هذا الانسحاب لم يكن صدفة، بل كان جزءًا من رؤية تقطع السودان عن امتداده الأفريقي وتربطه بمشروع العروبة السياسية.

لكن ماذا جنى السودان من هذا الخيار؟
على مدى سبعين عامًا، تحولت البلاد إلى ساحة نزاعات دامية، راح ضحيتها أكثر من أربعة ملايين إنسان في حروب حملت بصمة الهوية المفروضة. في الوقت نفسه، نزفت العقول السودانية إلى الخارج، لتجد في الخليج منفذًا لتصدير العمالة الرخيصة والمدربة، بينما ظل الداخل يعاني الفقر والجوع والمرض. لم تقدم الدول العربية التي شجعت استتباع السودان أي مشروع تنموي حقيقي، بل على العكس، دعمت الأنظمة القمعية، وأحيانًا طرحت حلولًا صادمة مثل عرض حزب البعث العراقي على جعفر نميري استخدام السلاح الكيماوي في الجنوب للقضاء على الحركة الشعبية.

اليوم، وبعد عقود من الفشل، يتراجع بريق المشروع العروبي داخل السودان. قطاعات واسعة من القوى السياسية والمجتمعية بدأت تعترف بأن هذا المسار لم يجلب سوى الانقسام والحروب، وأن المستقبل لا يمكن أن يُبنى على إقصاء مكونات البلاد. في المقابل، ما زالت قوى أخرى، خاصة داخل الجيش وبعض التيارات الإسلامية، متمسكة بخطاب العروبة، لأنه يوفر لها مظلة سياسية لإدامة السيطرة.

ما يلفت الانتباه أن الوساطات الجارية لوقف نزيف الدم السوداني تجري برعاية عربية. السؤال المطروح هنا ، هل تخلت هذه الدول فعلًا عن رهانها القديم، أم أنها تسعى لإعادة لملمة النخب العروبية والإسلامية كي يستمر السودان في فلك المشروع نفسه؟ التاريخ القريب لا يعطينا مؤشرات إيجابية. فالعالم العربي، خصوصًا الخليجي، يخشى من بروز نموذج “السودان الجديد” القائم على التعدد والمواطنة المتساوية، لأنه يتناقض مع أنماط الحكم السائدة في المنطقة.

المشروع العروبي في السودان لم يمت بعد، لكنه بلا شك يتراجع. معركة الحاضر هي بين السودان القديم، الذي جر البلاد إلى الفشل والدم، وبين السودان الجديد، الذي يسعى إلى بناء دولة عادلة تعترف بتنوعها وتستمد قوتها منه. والنتيجة النهائية ستتوقف على قدرة القوى الجديدة على تثبيت مشروع جامع، يضع حدًا لسبعين عامًا من الدوران في الحلقة المفرغة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!