رأي

سياسة التخريب والتشريد والانتقام 

علي سانتيتو 

علي سانتيتو 

ما حدث في بارا شمال كردفان تجاوز كلّ حدود الانتهاك إلى مستوى الجريمة المنهجية. ما يسمى بالجيشٌ والذي  يُفترض به واجب الحماية وتأمين الناس، تحول إلى آلة انتقام شرسة، ونهب منظم، يقودها مليشيات إسلاموية ومرتزقة يقتحمون المنازل والمتاجر والمزارع، ويستولون على الأواني ومعدات الطبخ، حتى محاصيل البصل، تاركين خلفهم مدناً مدمرة وسكاناً مُشرَّدين بلا مأوى و بلا طعام. ليس هذا فشلًا في الضبط الميداني أو خطأً عرضياً مرتبط بالحرب، بل نمط متكرر يتجسد في الخرطوم والجزيرة، وها هو يعاود الظهور في بارا بنفس الطريقة الإنتقامية، ما يشير بوضوح إلى سياسات منهجية، تهدف إلى إفراغ هذه المناطق من سكانها وتركها للنهب والفساد. كيف يمكن لقوة تدّعي تمثيل الدولة زوراً، أن تُمارس انتقاماً جماعياً ضد المواطنين؟ ومع هذه الانتهاكات المروعة، كيف يُبرَّر حرمان المدنيين من المساعدات الإنسانية أو تأخيرها باستخفاف، كأن الجوع والمرض أصبحا أدوات ضغط تُستخدَم لإخضاع شعب َوتركيعها.!

السلوك الذي كررته هذه القوات في بارا لا يطيح بسمعة المؤسسة العسكرية (الجيش) فحسب، بل يضعها عند مفترق أخلاقي وقانوني، قيادة تسمح بمثل هذه الممارسات أو تغض الطرف عنها تتحمل المسؤولية الكاملة، ويجب محاسبتها على تلك التصرفات. ان الحديث عن عناصر خارجة عن السيطرة غير مقنع عندما تتكرر الانتهاكات بنفس الأسلوب وبذات التشكيلات العسكرية، يرافق السلوك اللإنساني رفض وصول الإغاثة وعرقلة خدمات الطوارئ للمواطنين، فالمساءلة هنا يجب أن تكون شاملة وتطال كل مستويات القرار في بورتسودان، ليس فقط البراءون وحركات الارتزاق، لا أن تُستبدَل بالشعارات والوعود الفضفاضة. إن ما يجري في بالا من سرقات، يمثل خرقاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني واعتداءً على أبسط انواع حقوق الإنسان، الحق في الحياة والكرامة والأمن الغذائي.!

المطلوب الآن من المنظمات الحقوقية السودانية أكثر من إدانة لفظية، مطلوب تحقيق مستقل سريع وشفاف يكشف عن كبار المسؤولين ويعرضهم للمحاسبة، وفتح ممرات إنسانية لهذه المنطقة دون شروط، وإطلاق برامج طوارئ لاستعادة مقومات العيش للمتضررين والمنكوبين من أهالي مدنية بارا، كما أن استعادة الثقة بين ما يسمى بالقوات المسلحة والسكان تستلزم إجراءات عملية، سحب العناصر الاجرامية اللصوص عن المشهد، وتقديم تعويضات عاجلة للضحايا الذي فقدوا حتى أدوات الطباخة واسرة النوم،أن يتم هذا تحت  إشراف اهلي وقضائي لحسم التخريب، المعلومات تتحدث عن عرض هذه المنهوبات في أسواق مدينة الأبيض، ويقف على هذه الأفعال قادة كبار في الجيش والحركات دون أن يجدوا اي مسائلة او توبيخ . نتائج سياسة التخريب والتشريد في بارا وغيرها، لن تضمن لأي طرف شرعية، بل ستغذي دوامات الانتقام والعنف التي ستعود على الجميع بالضرر.

إن اللصوص الذين ينهبون مدخرات اي منطقة  ويذلون أهلها ويجوعونهم لا يصنعون دولة، بل يزرعون بذور الانهيار أينما حلوا، إن الوقوف الحازم ضد هذه الانتهاكات ليس خياراً أخلاقياً فحسب، بل شرطا جوهرياً من شروط بقاء المجتمعات ولانتشال الوطن من ازماته، وإلا فسنشهد مزيداً من المدن المدمرة، والقرى المحروقة، والوجوه النازحة، ولن يبقى لسلطة بورتسودان أدنى مبررٌ لتسمية نفسها حامية لهذا الشعب، لا عن طريق الاستهبال السياسي ولا عن طريق أكاذيبها المنشورة في الإعلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!